أرشيفات الوسوم: خيانة الرئيس اليمني

عامٌ آخر عنوانه الوجع!

B6Kk4uvCcAA_48I

*كاريكاتير للرائع عماد حجاج

سيسجل التاريخ العام 2014 في أقتم صفحاته كأكثر الاعوام فداحة على البشرية.
في 2014 تمكنت إيران في المنطقة كما لم تتمكن منذ غزو العراق.
في 2014 سقطت (الجمهورية اليمنية)- بعد أكثر من نصف قرن على قيامها- في يد جماعة تقتلُ باسم الدين، صادرت حق الحياة على الآخرين بصفتها الأحق بالوجود دونهم.
في 2014 قُتل آخر قائد عسكري يمني شريف، دافع عن الجمهورية؛ فساقه (رئيس الجمهورية) إلى الموت لقاءَ ذلك.
في 2014 اكتشف اليمنيون أنهم بلا جيش، خان قادةُ الجيش الوطن وسلّموه للاحتراب الطائفي في ظرف ساعاتٍ معدودة.
في 2014 تصدّر الموت جزيرة العرب، تناحر أهلُها فيما بينهم، ولا يزالون.
في 2014 سجّل ضحايا العنف الطائفي في العراق وسوريا أرقامهم القياسية.في 2014 وُجدت داعش والنُصرة، وتمددت القاعدة.. شوّهوا سماحة الدين، وأراقوا الدماء في كل مكان باسم الله واسم الدين.
في 2014 سقط أكبر عدد من الطائرات المدنية، والضحايا بالمئات.
في 2014 تراجع رصيدُ الأمل لدى اليمنيين حتى كاد يجف؛ كلما أقيلت عثرة جائت أختها.
في 2014 اقتحمت باحات المسجد الأقصى بأحذية الجنود الصهاينة ودُنست المصاحف ولم يُحرك أدعياء المُمانعة ساكناً.
في 2014 سُجل العام الأسوأ على الصحفيين في ليبيا، مصر، سوريا واليمن.
ومع ذلك، لا نزال متفائلين أن العام القادم سيكون عام خير، إذا صَلحت النوايا، وتوحدت الرغبات في الحياة؛ الحياة وحسب!
عام جميل حافل بالأمل والحب والسلام للجميع.

وجع التشبث

سكب جميل للصحفي اليمني: غمدان اليوسفي يسردُ المعاناة التي يعيشُها اليمنيون.. مقال جميل يستحق القراءة

179531_10151711229931988_1469478046_n

من قال إن على اليمني أن يظل متألما جراء هذا التشبث المر بالحياة!.
من الذي حكم على آماله بالأعمال الشاقة المؤبدة! 
هل على اليمني فقط أن يظل مطاردا في حدود الجيران، وفي الجبال وتحت مخيمات اللجوء.
من الذي أورثنا كل هذا النزوح بين الواقع والروح، بين الأرض والنبض، بين جحيم الرصاص والانتظارات.
كل شيء يتضاءل، إلا مساحة المخيمات.. ومساحة الأمل.
تتمدد المنافي في أرواحنا، وتنكمش الأرض علينا، لتقترب المسافة بين رصاصة وجسد.. بين قبلة خروج وعودة.
انتظاراتنا جاءت بكل شيء، إلا ما انتظرناه، جاء الحالمون بغنيمة، وتوارى الحالمون بوطن يلملم الشتات البشري والروحي..
جاء رواة الدم، واختفى رواة الحلم.
يتمدد صناع المنافي في شرايين أحلامنا، لتذوي الرصاصات فينا، وتحفر قبور انتصارها على حبنا لهذا التراب، غير أنها تدفننا فيه قبل أن نفكر في أن نجعل منه طوبة بناء.
نحاول لملمة الشتات بين مانريده ومايريده البارود، فتشعل أيادي القبح الفتيل ليحرق بعض الذي تبقى من ميراث حكمة وصفنا بها ذات يوم.
أيها القاطنون في مسامات شغفنا بالحياة، دعوا لنا ما تبقى حتى من الهزائم لنربيها على انتظار فتات الحلم بالعودة.. دعوا لنا ما تبقى من الخيبات لنسرح جدائل أمنياتها علها تفتن الأمل ذات يوم ويعود.
أيها المتشبثون بدمنا، دعوا لنا شيئا من الدمع عله يوقظ في أرواحنا نداء الموت في سبيل الحياة.. دعوا لأمهاتنا شيئا من لغة التوسل للسماء بأن يعود هذا الوطن لأهله.. امنحوا أطفالنا حتى حق البكاء على ماض سرقتم حاضره لأنكم لا تحبون مستقبلهم.
أيها المتباكون على أرواحنا، سئمنا لغتكم، وتعفنت صوركم في مدامعنا، لأنكم أبكيتمونا دما، وأذقتمونا طعم الغربة في أوطاننا، وبددتم أمل الكرامة أن تعود لمن يحتملون أنين الوطن في أوطان الغير.
تلعنكم دموع أولئك الذين يبكون في المنافي والمهاجر كلما أهانتهم يد الغريب، تلعنكم أحذية العاطلين في الأزقة، تلعنكم هذه الأرض كلما نطقتم أو صمتتم.. يكفيكم ماشربتكم من عرقنا، وما أسقيتم من دمنا تراب هذه الخرابة..
يكفيكم صبرنا عليكم.
أليس في عيونكم ولو شيئا من الدمع.. ابكوا ولو قليلا لاستعادة بعض إنسانكم الذي نسيتموه في محاجرنا نحن.. وعشتم بلا ألم.
ابكوا علكم تجدون شيئا من الآمنا، علكم تجدون ريح الوطن الذي نفتقده.

المقال من صفحة الكاتب الشخصية على فيسبوك : https://www.facebook.com/alyosifi

حزب المؤتمر ما بعد د. الإرياني!

في إحدى (قفشاته)، وصل (عارف الزوكا) مع مرافقيه لاجتياز إحدى النقاط التابعة للجيش في شبوة. كان ذلك قبل سنوات عندما كان عضواً للجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام. أوقفه أفراد النقطة للتفتيش فرفض، بل وعمّر مسلحوه أسلحتهم الآلية تجاه أفراد الجيش الذين ردّوا بالمثل واحتدم التوتّر.

تدخّل أحدهم بالاتصال إلى قيادة اللواء العسكري والمُتمثلة بـ “سنهوب” ذلك الكهل الشّرس والانسان في ذات الوقت. مُقاتل مغوار، لكنه يحترم الآخرين، يدعمُ التعليم. أخبرني أحد منسبي اللواء القُدامى أن أي فرد يريد إكمال دراسته الجامعية، يمنحه اللواء التفرغ الكامل ويدعمه بكل ما أوتي من امكانيات. هذا الرجل كان مدعواً ضمن طائرة (أحمد فرج) التي راحت بمن فيها، غير أن مشيئة الله وتخلفه بسبب المرض ذلك اليوم المشؤوم أبعدوه عن تلك الكارثة المُدبرة على الأرجح.

بالعودة إلى الزوكا المُمتلئ بـ (الهنجمة) و(النخيط) الفارغيْن. اتصل أحدُهم بالقائد سنهوب الذي أمر أفراد النقطة بالسماح له بالعبور مع مسلحيه تفادياً للمواجهة والخسائر المُفترضة. في المساء، فتح مُسلحو الشيخ المُؤتمري النّار على منزل سنهوب بكثافة لإيصال رسالة.

في اليوم التّالي الذي صادف يوم الجُمعة، صلّى سنهوب الجمعة في الجامع وأخبر الأهالي عما حصل. أخبرهم أن الزوكا سيتسبب بأعمال عنف ومواجهات غير محمودة في المدينة إن هو استمر في مقامرته، ولهذا لزم عليكم إخباره بإعادة حساباته والأخذ بعين الاعتبار ما سيُلده غروره وتهرّبه من القانون.

بعد أشهر جاء القرار بإبعاد سنهوب من اللواء لينتقل إلى منطقة أخرى، في حين كوفئ الزوكا ليكون محافظاً لمحافظة مأرب القريبة لقاء ما قام به من خروق للقانون.

saleh1-20120424-205010

مؤخراً تخلّص الحزب العائلي والفئوي (المؤتمر الشعبي العام) حزب الرئيس السابق، تخلّص من الرئيس هادي والدكتور عبد الكريم الإرياني، السياسي المخضرم والداهية المشهور. من هما البديلان لهادي والإرياني يا تُرى، إنهما (عارف الزوكا، وأحمد عبيد بن دغر). وبهذا القرار يكون المؤتمر قد خسر آخر رجالاته النزيهين والدُهاة ليتحول إلى حزب فئوي للانتهازيين من المُتردية والنطيحة وما أكل السبع.

هذا هو المؤتمر الشعبي العام باختصار شديد.

اغتيال المتوكل وأزمة “الزيدية”

الكاتبة اليمنية ميساء شجاع الدين تستحضر سلسلة الاغتيالات السياسية التي حدثت نهاية القرن الماضي والأزمات التي سببتها. اغتيال الدكتور محمد عبد الملك المتوكل وتوظيفه السياسي. اقرأوا المقال كاملاً:
اغتيال المتوكل وأزمة “الزيدية”
349
*الصورة لتشييع جنازة الشهيد (صحيفة العربي الجديد)
ليس اغتيال الدكتور محمد عبد الملك المتوكل حدثاً استثنائياً في الساحة السياسية اليمنية التي طالما شهدت عمليات اغتيال لسياسيين وقيادات عسكرية، وكانت أكبر موجة اغتيالات تلك التي طالت الحزب الاشتراكي، أثناء الأزمة التي لحقت الوحدة عام 1990، وبدأت منذ 1991 واستمرت حتى 1993، وأودت بحياة أكثر من مائة كادر حزبي نشط، معظمهم من محافظاتٍ شمالية، وكانت أحد أبرز تجليات هذه الأزمة، وسبباً أساسياً لانعدام الثقة بين طرفي الوحدة وانفجار الحرب الأهلية عام 1994. ومن عمليات الاغتيال الفردية تلك التي قضى فيها الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، جار الله عمر، في ديسمبر/كانون الأول 2002، وهو مهندس تحالف أحزاب اللقاء المشترك. وتمت الجريمة أثناء إلقاء عمر خطبة في المؤتمر العام لحزب التجمع اليمني للإصلاح، حيث تم انتقاء التوقيت والمكان بعناية، لنسف فكرة أحزاب اللقاء المشترك في مهدها.

هل تعد عملية اغتيال المتوكل فردية، بحكم الطبيعة المعتدلة للرجل، والتي تقربه من جميع أطياف الحياة السياسية اليمنية، على الرغم من خفوت نشاطه، بعد حادثة الموتورسيكل التي أصيب فيها في ديسمبر/كانون الأول 2011؟ أم أنها كانت عملية اغتيال ضمن موجة اغتيالات طالت الكوادر السياسية الزيدية المعتدلة، بعد اغتيال الشخصية السياسية الزيدية، الدكتور عبد الكريم جدبان، في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، ثم الدكتور أحمد شرف الدين، ممثل “أنصار الله” في مؤتمر الحوار الوطني في يناير/كانون الثاني عام 2014؟

تجمع جرائم اغتيال المتوكل، وقبله شرف الدين وجدبان، أن ثلاثتهم شخصيات سياسية زيدية معتدلة، وإن اختلف المتوكل عن الآخريْن بأنه لا يمكن وصفه من مناصري جماعة الحوثي، أو أنه شخصية تمثل المذهب الزيدي. فالرجل يصعب تصنيفه سياسياً، ويمكن، تقريبياً، ومن التعريف العام للحزب الذي أسسه “اتحاد القوى الشعبية”، اعتباره شخصيةً تتبنى قيماً منفتحة وديمقراطية بمرجعية زيدية، حيث كان يحاول تفسير النصوص الدينية الإسلامية بشكلٍ يتناسب مع قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. والأهم أنه كان مقرباً من جميع التيارات السياسية، وأكثر ما يميزه حضوره الشخصي الودود والمتواضع، وكان، في الأزمة الأخيرة، مناصراً للحوثي، وبرر له أفعالاً كثيرة، وانتقد بعضها.

وتطرح عملية اغتيال المتوكل السؤال البديهي بعد كل عملية اغتيال، من القاتل؟ في كل مرةٍ، تمر حوادث الاغتيال من دون تحقيقاتٍ في اليمن، ثم بمرور الوقت، يرجح فاعل سياسي ما له مصلحة وراء الاغتيال. هذه المرة، يبدو الوضع أكثر فوضوية وأصعب بشأن الجزم عمّن يكون صاحب المصلحة في هكذا عمليات، تطال الشخصيات السياسية المعتدلة في اليمن، فمن هو صاحب مصلحة تفريغ جماعة الحوثي من أي وجوهٍ معتدلة، ومن هو صاحب مصلحة إخلاء الساحة السياسية اليمنية من أي زيدي معتدل؟

عملية اغتيال المتوكل فرصة لفتح ملف حساس، يتعلق بمشكلة المرجعية السياسية والدينية لحركة الإسلام السياسي الزيدي، والتي تصدرها الحوثي، أخيراً، وبرزت، كما هو معروف، قوة مسلحة تحتكر، كلياً، تمثيل المذهب الزيدي، فيما تفترضه تعدّياً على المناطق الزيدية، بنشر السلفية فيها، حيث ارتكب السلفيون ممارسات مستفزة فيها، مثل منع الزيود من رفع آذانهم بجملته التمييزية “حي على خير العمل”، وزيارة قبور أئمة زيدية معروفين، ونشر معاهد علمية كان يشرف عليها الإخوان المسلمون.

وكان الزيود قد بدأوا في تأسيس ما يشبه مخيماً صيفياً، يُدعى منتدى الشباب المؤمن، لتدريس أصول المذهب الزيدي بشكل مبسط في 1992، وتوسعت هذه المعاهد والمنتديات، حتى وصلت إلى ذروتها قبل حرب صعده عام 2004، ثم أغلقت نهائياً. ومن اللافت أن الحوثي لم يعد فتح تلك المعاهد في مدينة صعده، بل وضيّق على بعض تلامذتها، وبعض المراجع الزيدية التقليدية.

كانت مناهج تلك المعاهد تصدر بترخيصٍ من والد حسين وعبد الملك الحوثي، العلامة الزيدي بدر الدين الحوثي، ومن ثم تأسست الحركة الحوثية، بترديد ابنه حسين الحوثي (قتل عام 2004 في الحرب) شعار الصرخة المستلهم من شعارات الثورة الإيرانية “الموت لأميركا..”، وبسببها قامت حرب صعده. ويُذكر أن خلافاً حاداً نشب بين أسرة الحوثي وأحد مؤسسي الحركة، محمد سالم عزّان، والذي كان يمثل المنهج المعتدل، ولم يكن ميالاً لشعار الصرخة أو تلك التأثيرات الدخيلة.

بسبب شعار الصرخة، وسفر بعض الزيود للدراسة في إيران، ومنهم مؤسسو المنتديات، مثل حسين الحوثي ومحمد عزان، دأب خصوم الحركة في تصويرها حركة ليست زيدية، بل اثنى عشرية، في محاولة لتصويرها حركة غريبة ودخيلة على اليمنيين. فيما لا تؤمن الحوثية بأبرز أفكار الاثنى عشرية، مثل الغيبة والعصمة وغيرهما، لكنها استعارت من الاثنى عشرية مظاهر احتفالية غريبة على اليمنيين، مثل الضريح الفخم الذي تم تشييده لحسين الحوثي وإحياء كربلاء بما هو غير معروف في المذهب الزيدي. ولهذا الأمر علاقة بطبيعة الجماعة التي نشأت كرد فعل ضد الوهابية التي فرضت نفسها محتكراً للإسلام، وترفض التنوع المذهبي، وبالتالي، جاءت عملية إحياء المذهب الزيدي، كما يتصور، في محاولةٍ لتأكيد طابعها الشيعي المتمايز. وكانت مرجعيات زيدية تقليدية في أثناء حروب صعده قد اعتبرت الحوثية اثنى عشرية، وليسوا زيوداً، ثم سرعان ما تغير موقفهم بعد 2011، وسقوط علي عبد الله صالح، وأقرّوا بزيدية الحوثي. وهذا موقف تتضح علاقته بمحاباة القوة، غير أنه يعكس حقيقة مهمة، وهي صعوبة تعريف الطبيعة الدينية لجماعة الحوثي.

فهل يمكن افتراض الحوثي جماعة زيدية إحيائية، وامتداداً لمنتدى الشباب المؤمن، كما يفترض بعضهم؟ وفي الواقع، ليس لتلاميذ المنتدى حضور قيادي في الحركة التي تعد إحيائية، ويفترض منهجية فكرية وفقهية للجماعة، وهذا غير موجود، حيث تعتمد الجماعة في تجنيد أنصارها على ملازم خطب مؤسسها، حسين الحوثي، وهي خطب سياسية، تستعير الجملة الدينية، ولكن من دون بُعد فقهي أو فكري، بل بطريقة عاطفية، فيها قدر من السطحية، معتمدة على أفكار مثل معاداة أميركا والغرب والسعودية وحب آل البيت والمظلومية، وهي ملازم أكثر سطحية وبساطة من رسائل التوحيد للإمام محمد عبد الوهاب الذي صار مرجعية الإسلام السلفي.

أي أن حركة الحوثي لا كتب ومرجعيات فكرية لها، ولا يمكن معرفة إلى أي تيار زيدي تنتمي، مثل تيار الهادوية أو الجارودية أو الصالحية. لكن الأهم أن قائد حركة الحوثي ينقض أبسط مبادئ الزيدية في الإمامة. الزيدية تؤمن بفكرة الخروج على الحاكم الظالم والتمرد المسلح، لكن بشرط وجود إمام تتوفر فيه شروط الإمامة، وأبرزها أن يكون عالماً بأمور الدين، حسب المنطق الزيدي. ولم يعلن عبد الملك الحوثي نفسه إماماً، وهو، ببساطة، يفتقد جميع شروط الإمامة، وأبرزها العلم، ويتضح هذا من لغته العربية البسيطة، والتي تكشف بساطة معارفه، أي أن ما تفعله جماعة الحوثي مخالفة صريحة للمذهب الزيدي.

الحركة الحوثية، مثل معظم حركات الإسلام السياسي، العنيفة خصوصاً، تتعامل مع الدين بانتقائية، وكمحاولة لشرعنة عنفها، بقدر لا يخلو من تسطيح معتمدين على استدرار عواطف الناس، وإيجاد حالة خوف من خصوم وأعداء خطيرين، مثل أميركا أو القاعدة، في حالة الحوثي، لكنها تخلو كالعادة من أي مرجعية دينية تقليدية، ومن أي مرجعية سياسية، تحاول الإجابة عن تساؤلات عصرية، متعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، كما كان الدكتور المتوكل. وهذا يطرح تساؤلاً مشروعاً: إلى أين تذهب هذه الحركة، خصوصاً أن الشخصيات المعتدلة التي قد تشكل جسراً بينها وبين الآخرين تتساقط، واحداً تلو الآخر، وتخلو الساحة من كل الشخصيات التي كان في وسعها فرملة جموح جماعة الحوثي وعنفها.

 من صحيفة العربي الجديد: http://www.alaraby.co.uk/opinion/8310b280-1feb-43dc-a3ba-44e61c166d33

 

عن وطن بلا جيش

i-b-20121008-114224

من أهم المُنجزات الوطنية في أي بلد، وأكثر مؤسسة محَط الفخر والاعتزاز وتحظى دائماً باحترام الشّعوب هي مؤسسة “الجيش”. عندما تختلف القوى السياسية بمشاربها، تكون مؤسسة الجيش الوطني حلقة الوصل بل والمرجعية للجميع. للجيش رمزيّة خاصة عند الشعوب بخلاف الأمن والداخلية. فالثانية قريبة منهم وكثيرة الاحتكاك بهم، أضف إلى ذلك الانتهاكات التي تقوم بها قوات الأمن في حق المواطنين. أما الجيش فهو مُسخر لحماية الوطن من الأخطار الخارجية، ونادراً ما ينزل إلى الشارع، الأمر الذي أكسبه هيبةَ واحترام الجميع بلا استثناء.

ثمّة استثناءات تجعل من الجيش محل مقت الشعوب، وتنسفُ تلك الصورة المُشرقة والرّمزية التي يحتفظ بها. لعل إقحام الجيش في السياسة من أهم تلك الأسباب. دخول الجيش في السياسة يجعله في خط التماس مع الشعب مُباشرةً، أضف إلى ذلك دخوله في حلقة ولاءات ضيّقة لشخوص وأحزاب على السواء.

هناك أكثر من عشرين دولة بلا جيش ومع ذلك فهي آمنة تتمتع كذلك باستقلالية تامة. بعض هذه الدول لا تملك جيوشاً، بينما بعضها يملك كتائب أمنية بسيطة، لكن الجميع يعتمدون على جيوش دول أخرى في حماية بلدانهم خارجياً. لا توجد مشكلة نهائيا هنا، حيث تأخذ السياسة مجراها، وتنفذ الديمقراطية بحذافيرها وبالتالي لا وجود لمراكز قوى تسلطيّة من شأنها تعكير الأجواء السياسية.

الأنظمة الدكتاتورية تبني الجيوش وتربيها على الولاء المطلق، ليس للوطن بالطبع، بل للشخوص. لطالما تغنّى الزعماء العرب بجيوشهم الوطنية، غير أن طفرة الربيع العربي عرّت تلك الادعاءات وأثبتت زيفها. تصدّعت تلك الجيوش بين الولاء للحاكم والقوى العسكرية والقبلية وباتت تلك البلدان تقريباً بلا جيوش.

في اليمن مثلاً، حدث انشقاق كبير في الجيش إبان ثورة 2011 لصالح الثوار. بعد التسوية السياسية التي نصّت في إحدى بنودها على هيكلة الجيش، لم يتم هيكلته بقدر ما غُيرت ولاءاته لصالح فئة معينة.

هيكلة الجيش تعني بالضرورة إضعاف مراكز القوى المُهيمنة عليه، وليس تحويل تلك الهيمكنة لفصيل آخر. كان من المفترض أن يتم دمج الألوية الموالية لمراكز القوى وإذابتها في بوتقة مناطق الجيش. أضف إلى ذلك تفعيل التدوير الوظيفي خصوصاً للقيادات الكبيرة والضبّاط.

في غمضة عين، وبعد كلّ ذلك الهُراء برعايةٍ إقليميةٍ وأممية، اكتشف اليمنيون أنهم بلا جيش. أعني جيش وطني لا يدين إلا للوطن والمواطن. لم تكن تدخّلات الإقليم والمجتمع الدولي نقيّة، بل كان كلاً منهم يبحث عن موطئ قدم ومركز نفوذ مُوالي. التدخّل الخارجي كارثي ومُدمّر على خلاف ما تفائلنا به. هذه الدول تؤدي جيداً في مجتمعاتها، لكنّها تُمارس التمزيق والقُبح -وإن كان بصبغة دولية- في حق الدول المتخلفة.

على حين غفلةٍ من التاريخ، سُلمت العاصمة والمدن الأخرى للمليشيات المسلحة تحت مرأى ومسمع العالم وبتواطؤ بل وتسهيل ممن يُفترض أن نسميه جيش الوطن. خيبات الأمل والصّفعات تتوالى على هذا الشعب المكلوم، حتى الجيش الذي ظنناه آخر المُكتسبات الوطنية تساقط كحبّات العقد. بيعَ جيشُنا في سوق النخاسة، بيع للمليشيات وأُهينت بززهم العسكرية ذات الرمزية التاريخية. قصقصة ريشات قوى سابقة كانت مهيمنة على الجيش جاءت لتقوي مراكز نفوذ أخرى تدين للفوضى وتقويض الدولة أو بقايا منها.

تساقطت الألوية العسكرية خلال ساعات دونما مواجهات وسُلمت الأسلحة للمليشيا. فبدلاً من تنفيذ الاستحقاقات السياسية لمؤتمر الحوار الذي استمر قرابة العام ونزع أسلحة المليشيات، تم نزع سلاح الدولة لصالح المليشيات وبتنا بلا جيش.

دمر الرئيس هادي ووزير دفاعه جيشنا الوطني وأهانوه أيّما إهانة. دمّروا ولائهم الوطني وجعلوهم كقطعان يأتمرون لمراكز القوى الطائفية.

همسة: يبيع الجُندي شرفهُ العسكري عندما يتخلّى عن واجبه الوطني في حماية الوطن والشعب؛ بينما يبيع المواطن شرفهُ المدني عندما يحمل السلاح ويسمح لنفسه بالتحوّل إلى مليشيا.

من أهم المُنجزات الوطنية في أي بلد، وأكثر مؤسسة محَط الفخر والاعتزاز وتحظى دائماً باحترام الشّعوب هي مؤسسة “الجيش”. عندما تختلف القوى السياسية بمشاربها، تكون مؤسسة الجيش الوطني حلقة الوصل بل والمرجعية للجميع. للجيش رمزيّة خاصة عند الشعوب بخلاف الأمن والداخلية. فالثانية قريبة منهم وكثيرة الاحتكاك بهم، أضف إلى ذلك الانتهاكات التي تقوم بها قوات الأمن في حق المواطنين. أما الجيش فهو مُسخر لحماية الوطن من الأخطار الخارجية، ونادراً ما ينزل إلى الشارع، الأمر الذي أكسبه هيبةَ واحترام الجميع بلا استثناء.

ثمّة استثناءات تجعل من الجيش محل مقت الشعوب، وتنسفُ تلك الصورة المُشرقة والرّمزية التي يحتفظ بها. لعل إقحام الجيش في السياسة من أهم تلك الأسباب. دخول الجيش في السياسة يجعله في خط التماس مع الشعب مُباشرةً، أضف إلى ذلك دخوله في حلقة ولاءات ضيّقة لشخوص وأحزاب على السواء.

هناك أكثر من عشرين دولة بلا جيش ومع ذلك فهي آمنة تتمتع كذلك باستقلالية تامة. بعض هذه الدول لا تملك جيوشاً، بينما بعضها يملك كتائب أمنية بسيطة، لكن الجميع يعتمدون على جيوش دول أخرى في حماية بلدانهم خارجياً. لا توجد مشكلة نهائيا هنا، حيث تأخذ السياسة مجراها، وتنفذ الديمقراطية بحذافيرها وبالتالي لا وجود لمراكز قوى تسلطيّة من شأنها تعكير الأجواء السياسية.

الأنظمة الدكتاتورية تبني الجيوش وتربيها على الولاء المطلق، ليس للوطن بالطبع، بل للشخوص. لطالما تغنّى الزعماء العرب بجيوشهم الوطنية، غير أن طفرة الربيع العربي عرّت تلك الادعاءات وأثبتت زيفها. تصدّعت تلك الجيوش بين الولاء للحاكم والقوى العسكرية والقبلية وباتت تلك البلدان تقريباً بلا جيوش.

في اليمن مثلاً، حدث انشقاق كبير في الجيش إبان ثورة 2011 لصالح الثوار. بعد التسوية السياسية التي نصّت في إحدى بنودها على هيكلة الجيش، لم يتم هيكلته بقدر ما غُيرت ولاءاته لصالح فئة معينة.

هيكلة الجيش تعني بالضرورة إضعاف مراكز القوى المُهيمنة عليه، وليس تحويل تلك الهيمكنة لفصيل آخر. كان من المفترض أن يتم دمج الألوية الموالية لمراكز القوى وإذابتها في بوتقة مناطق الجيش. أضف إلى ذلك تفعيل التدوير الوظيفي خصوصاً للقيادات الكبيرة والضبّاط.

في غمضة عين، وبعد كلّ ذلك الهُراء برعايةٍ إقليميةٍ وأممية، اكتشف اليمنيون أنهم بلا جيش. أعني جيش وطني لا يدين إلا للوطن والمواطن. لم تكن تدخّلات الإقليم والمجتمع الدولي نقيّة، بل كان كلاً منهم يبحث عن موطئ قدم ومركز نفوذ مُوالي. التدخّل الخارجي كارثي ومُدمّر على خلاف ما تفائلنا به. هذه الدول تؤدي جيداً في مجتمعاتها، لكنّها تُمارس التمزيق والقُبح -وإن كان بصبغة دولية- في حق الدول المتخلفة.

على حين غفلةٍ من التاريخ، سُلمت العاصمة والمدن الأخرى للمليشيات المسلحة تحت مرأى ومسمع العالم وبتواطؤ بل وتسهيل ممن يُفترض أن نسميه جيش الوطن. خيبات الأمل والصّفعات تتوالى على هذا الشعب المكلوم، حتى الجيش الذي ظنناه آخر المُكتسبات الوطنية تساقط كحبّات العقد. بيعَ جيشُنا في سوق النخاسة، بيع للمليشيات وأُهينت بززهم العسكرية ذات الرمزية التاريخية. قصقصة ريشات قوى سابقة كانت مهيمنة على الجيش جاءت لتقوي مراكز نفوذ أخرى تدين للفوضى وتقويض الدولة أو بقايا منها.

تساقطت الألوية العسكرية خلال ساعات دونما مواجهات وسُلمت الأسلحة للمليشيا. فبدلاً من تنفيذ الاستحقاقات السياسية لمؤتمر الحوار الذي استمر قرابة العام ونزع أسلحة المليشيات، تم نزع سلاح الدولة لصالح المليشيات وبتنا بلا جيش.

دمر الرئيس هادي ووزير دفاعه جيشنا الوطني وأهانوه أيّما إهانة. دمّروا ولائهم الوطني وجعلوهم كقطعان يأتمرون لمراكز القوى الطائفية.

همسة: يبيع الجُندي شرفهُ العسكري عندما يتخلّى عن واجبه الوطني في حماية الوطن والشعب؛ بينما يبيع المواطن شرفهُ المدني عندما يحمل السلاح ويسمح لنفسه بالتحوّل إلى مليشيا.

اللّمسات الأخيرة لمسرحيّة “الزعيم”

ما قام به المؤتمريون اليوم من نشر تلفيق عن طلب السفير الأمريكي مغادرة صالح شيء مدروس ومُخطّط له مسبقاً..

الرئيس اليمني يقول انه سيترك السلطة خلال ايام

كيف ولماذا؟؟

جميع القرائن والدلالات تُشير إلى أن قيادات اقتحام العاصمة والمدن هم من الحرس الجمهوري؛ أي أن الحوثي مجرد كومبارس. الحوثي يتصرف كأنه هو من يقوم بهذه الغزوات، والذرائع جاهزة على طريقته. إعلام الفريقين يروج للأخير بصفته “الكل بالكل” ولا صحة لدعمه.

الآن الأمر الرائج هو أن الحوثي من يسيطر على المدن، بينما يضمن صالح ذلك عبر تمثيل أكثر من ثلثين وسط تلك القوة العسكرية. صالح يسيطر الآن على كل شيء وبموافقة المجتمع الدولي. لا بد من معرفة الجميع أن صالح هو من يسيطر على كل شيء.. كيف ذلك؟

قواعد المؤتمر خاملة منذ سنوات، ويصعب عليه إخراج الشارع. استفزاز الشارع بخبر من قبيل طرد “الزعيم” من بلاده عبر خطاب استجدائي من شأنه تحريك الشارع وصناعة هالة غضب -ولو مصطنعاً- لتنفيذ أمر ما. أما عن اختيار ٢ يومين للمغادرة، فهذا التوقيت يتزامن مع يوم الجمعة، توقيت جيد للحشد. المواطنون مستاؤون من تدهور الأمن وتساقط المدن بأيدِ المليشيات المسلحة. أين المخلّص؟ أين المهدي المنتظر الذي سيضع حد لكل هذه الفوضى؟؟ سيظهر في الوقت المُناسب الذي يبدو قد حان وقته.

لماذا لم يظهر هؤلاء منذ البداية طالما يملكون القوة؟ لو قاموا هم بدور الحوثي للاقوا مقاومة ثورية غير عادية في كل مكان، حتى في المعسكرات ذاتها. الدخول بهيئة الحوثي وبحججه المعروفة عبر تصوير الصراع ضد فصيل معين جعل المعسكرات والمدن تسقط بطريقة هزلية ودونما مقاومة تذكر. من السهل الآن تسلّم المؤتمريين المؤسسات والمحافظات من المؤتمريين (المتحوثين) أي من أنفسهم، فضلاً عن التأييد الشعبي المتوقع.

yp29-12-2012-867376

تحدثتُ قبل شهر عن تحركات لمؤتمريين في تعز عبر عقال الحارات وتوزيع أسلحة وعمل قوائم بثوار ١١ فبراير ومناصريهم. كان هذا يندرج ضمن فترة الإعداد لهذا التوقيت تحديداً. قبل أسبوع رصدتُ تردّد سياراتٍ مدنية لقيادات مؤتمرية على المعسكرات؛ يدخلون بسياراتهم إلى الداخل ويخرجون بعد فترة لا تزيد على ساعة. يتحدّثُ المؤتمريون منذُ فترة بلهجة توعّدية بحتة مع خصومهم، حتى عبر وسائلهم الإعلامية.

جمهور الحوثي ضئيل كمسلحيه، ومن الصادم قدرته على التوسع بتلك القوة والسرعة. بالمقابل السفارة الأمريكية تنفي تهديدها لصالح وإعطائه مدة لمغادرة البلاد، من بث هذه الشائعة هي وسائل إعلام صالح نقلاً عن حزب المؤتمر. لو طلبت الولايات المتحدة ذلك فعلاً لنشرته عبر خارجيتها أو حتى عبر موقع السفارة. في ذات الوقت صالح ليس بالأحمق ليقدم على (قفشة) مفضوحة كهذه. إذن فالأمر مقصود بل ومُبيّت مسبقاً.

ثمة أمورٌ غريبة تحدُث دونما هالة إعلامية. نقل لجنة صياغة الدستور لوضع اللمسات الأخيرة إلى الإمارات للقيام بالمُهمة. يبدو أن أيران بمعية الإمارات وسفير اليمن هناك- نجل الرئيس السابق- يطبخون الدستور بطريقة طائفية بامتياز، كون الرئيس السابق والحوثيين يرجعون إلى ذات الطائفة. أمر آخر تمثّل في لقاء سرّي أفصحَ عنه لاحقاً في بروكسيل سُمي بؤتمر التصالح. لا أدري أي تصالح ومن يستهدف. من ذهبوا لحضور ذلك المؤتمر ليسوا مُمثلي أحزاب أو أطراف المشهد الداخلي اليمني بقدر ما هم أشخاص ينتمون للأسرة الملكية التي حكمت اليمن قبل الجمهورية. هل يكون لم الشمل بين الطائفة وأسرة الملكيين السابقين، وتفويت الفرصة على الثورة والقادمين الجُدد إلى المشهد اليمني؟ ربما، بل وممكن جداً ولا يوجد تفسير آخر.

مؤتمر-بروكسل-للعدالة-التصالحية-في-اليمن-610x342

بالمُناسبة، خلال اليومين القادمين، من المفترض أن يحدث شيء قد يُغيّر المشهد اليمني برمّته. ثمة حقائق طالما أبقيت طي الكتمان ستتكشّف، وستزول الأقنعة وسيكون اللعب على المكشوف. استناداً لما يجري على الأرض من إعداد ومن أشياء غريبة لا نجد لها تفسيراً، أتوقع سيناريو كارثي.

خروج جموع الغاضبين والمدافعين عن “الزعيم” وسيقتحمون بشكل “عفوي” مؤسسات الدولة والمحافظات وسيستعيدونها من رفاقهم (ذي الأقنعة الحوثية) بطريقة هزلية لا تختلف عن تلك التي حدثت قبل أقل من شهر. هذه الحركة ستضمن الدخول السلس وإثبات الأمر الواقع. بالتأكيد سيكون للحوثي نصيب من السلطة القادمة، بينما سيتركون الجنوب لهادي وناصر لقاء ما قدموه.

ليلة سقوط الجمهورية ـ 2 ـ

من جديد، وفي حلقته الثانية من “ليلة سقوط الجمهورية” يُطلّ د. مروان الغفوري لسرد حقائق كانت غامضة عن سقوط العاصمة صنعاء في أيدي المليشيا، وعن تآمر الرئيس وغير ذلك..

10252148_10152436453344047_287175283721073301_n

د. مروان الغفوري

 

لم يكن الأمر بحاجة إلى بطل ليكتشف أن الحوثي خطر على الجمهورية، وأن الجمهورية هي المنجز الإنساني الأكثر أهمية منذ الثورة الفرنسية 1789. في القرون الثلاثة الماضية كانت الجمهورية، عالميّاً، تتوعَك، تضطرب، تختلس ملامح الملكيّة أو تنمو إلى إمبراطورية. بقيت للجمهورية ميزتها التاريخية: القدرة على تصحيح ذاتها “ألمانيا مثالاً”. أما الأصوات التي تسخر من القول إن الجمهورية في اليمن انهارت وصعد نظامٌ جديد بطرياركي، أحادي، كنَسي يملك فيه فردٌ واحدٌ خيوط كل الأشياء، ولا يمكن تغييره فهو يملك امتيازاً سماوياً، تجري هذه الأصوات خارج الواقعية الحضارية وتبدو غير واعية بالوضعية العالمية المعاصرة ومعنى أن يكون المرء حُرّاً، كلّي الاختيار، كُلّي الإرادة. إذ لا يمكن أن تعالج الجمهورية بصب مزيج من الكنائس والبارونات على عاصمتها! بصرف النظر عن درجة اعتلالها. ففي اللحظة الأكثر قلقاً واهتزازاً في تاريخ اليمن احتاج اليمنيّون إلى حلول تنبع من المستقبل فإذا بالماضي يتدفق عليهم من الكهوف والجبال، من الكتب الصفراء، ومناحات التاريخ.

ها قد أصبح عبد الملك الحوثي يملك كل شيء، لا تدركه الأبصار وهو يدركها، ويقدر على فعل حتى الأشياء التي لم يكن يطمح إليها لأنها كانت إلى ما قبل أيام مستحيلة عليه. لقد استطاع الحوثي أن يكتشف المخبأ الذي لجأ إليه القشيبي، وقتله. كما اقترب من الجنرال علي محسن عبر رجال الأخير وكاد أن يقتله. أما طه الظفري، نجل واحدة من أكثر الأسر الهاشمية إيماناً بالاختيار الإلهي للحوثي، فقد كان مديراً لوزارة الدفاع ليلة سقوط صنعاء، وكان الشخص الذي بحوزته تلفونات الوزير، وحقيبته. كانت اليمن كتاباً مفتوحاً، وكان الحوثي يكتب نصّ الولاية على طريقته. وخلال ساعات صاح عبد الملك على طريقة بن غوريون: حدودنا حيثُ تقف دباباتنا. أما الرواية التي قدمها محمد عبد السلام، الناطق الرسمي للحوثية، إلى قناة الجزيرة فقد تحدثت عن مستوى عالٍ من التنسيق بين الميليشيات التي أسقطت صنعاء وبين الدولة. ولأنه من غير الممكن عمليّاً الحديث عن دولة في اليمن فإن التنسيق جرى بين الميليشيا من جهة والرئاسة والجيش من جهة أخرى. لم تكُن رواية عبد السلام احتيالاً سياسياً، فبعد 21 سبتمبر لم يعُد الرجل مضطراً لاختلاق مثل هذه القصّة.

فقبل السقوط بأياماجتمع هادي بكبار جنرالات الجيش وأبلغهم أنه يريد خطة عسكرية للمواجهة. كان اللواء الجائفي، قائد الحرس الجمهوري، يجلس في مواجهته في حين يتوزع الآخرون على جانبيه. بينما هادي يعبث بكشف من ثلاث صفحات “إي فور” سأله الجائفي بسخرية “الآن تطلب منّا إعداد خطة مواجهة وهم على أبواب صنعاء؟” فرد عليه هادي ببرود: إذا كنت غير قادر على المواجهة فما عليك سوى أن تستقيل. فقد الجائفي هدوءه المعتاد وقال لهادي بصورة مباشرة: اسمع يا فخامة الرئيس، احمِ ظهورنا من الشرطة العسكرية والأمن المركزي واترك الأمر علينا. مرّت لحظات صمت قطعها هادي وهو يلوّح بالأوراق التي بيده “هذا كشف بالأفراد والضباط الخونة الذين سلّموا كل معلومات الجيش إلى الحوثيين”. كان كشفاً رهيباً يعادل حجم كتيبة من الجيش، قال هادي إنهم جواسيس للحوثي. استلم وزير الدفاع الكشف المشار إليه، وأعطاه إلى طه الظفري. وطه الظفري هذا لم يكن سوى الشباك الذي يطل من خلاله عبد الملك الحوثي على الجيش. كانت الحركة مقصودة من قبل هادي. ففي ذلك الاجتماع جلب شخصيات لا علاقة لها بالنشاط العسكري وكان يهدف إلى إيهام الجميع بأنه عازم على حماية صنعاء. 
الخطة التي أعدتها “هيئة عمليات القوّات المسلّحة” للدفاع عن صنعاء سرّبت إلى الحوثيين. وبحسب مصدر رفيع في الجيش فقد كانت تحركّات الحوثيين كلها معتمدة على خطة الدفاع التي أعدتها الهيئة. “دخلوا صنعاء وهم يعرفون كيف يتحركون ومن أين يهجمون، كانت الخارطة كلهم معهم، ولم يكن هناك جيش” أضاف بلكنة بائسة. وعندما سألته عن موقف وزير الدفاع قال إنه أصدر أوامره إلى كل الجيش بعد التدخّل. وحتى تلك الخطة التي سرّبت للحوثي عمل وزير الدفاع على تجميدها. تواصلتُ مع مصدر في اللجنة الأمنية العُليا فأخبرني أن وزير الدفاع في الاجتماعات الأخيرة للجنة، بينما كان الحوثيون يخترقون شمال العاصمة، كان يقول إن الله سيفرجها. ثم ينهي الاجتماع ويغادر بصحبة طه الظفري، الرجل الذي سيذكره التاريخ باعتباره كلمة السر الكُبرى في انهيار الجمهورية.

في العمليات التي قامت بها جماعة الحوثي في عمران، ثم صنعاء كانت تصرّ على أن تتسلم الشرطة العسكرية المعسكرات والمنشآت. والشرطة العسكرية هي مؤسسة تتبع وزارة الدفاع ويقودها اللواء الركن عوض بن فريد، وهو أحد العسكريين الذين يعتمد عليهم الحوثي في عملياته، وفي الوقت نفسه تربطه بكبار راديكاليي الحراك الجنوبي علاقات صلبة. كان الجائفي، قائد الحرس الجمهوري، مدركاً للفجوة الأمنية الخطرة التي تشكلها “الشرطة العسكرية”. فهو، كعسكري رفيع، يعلم الطريقة التي ساهمت من خلالها الشرطة العسكرية في إنهاء وجود اللواء 310 في عمران. فقد كانت المفاوضات في صنعاء، آنئذٍ، على أن يخرج جنود وضباط اللواء 310 بسلاحهم الشخصي، وتتسلم الشرطة العسكرية اللواء بكل عتاده. ما إن بقي بضعة عشرات في المعسكر حتى انسحبت الشرطة العسكرية بصورة مفاجئة ودخل الحوثيون اللواء من كل بواباته. في تلك الأثناء، وهذا الجزء الأكثر تراجيديا في سيرة سقوط اللواء 310، كان وزير الدفاع في الإمارات، وكان قائد اللواء القشيبي في مكان آمن داخل اللواء، غرفة تحت مبنى الاتصالات. هاتف القشيبي رئيس هيئة الأركان اللواء الأشول تمام الساعة السادسة مساء وصاح به “هل هذا هو الاتفاق، الحوثيون يقتحمون اللواء ويقتلون من بقي من الأفراد في العنابر”. سأله الأشوال عنن مكانه فقال إنه في مكان آمن. استمرت عملية البحث عن القشيبي قرابة الساعتين، ووزارة الدفاع تغط في نوم عميق. الطيران الذي غادر صنعاء لإنقاذ اللواء جاءته أوامر من الجوية، بحسب رواية الأشول، بالعودة. وفي تمام الثامنة والنصف هاتف رئيس الأركان مرّة أخرى القشيبي ليسأله عن مكانه، وينصحه بالتواصل مع قائد الشرطة العسكرية في عمران. همس القشيبي على الهاتف “أنا على بعد أمتار من الشرطة العسكرية، ولا أستطيع أن أتحدث إليهم لأن الحوثيين منتشرون في كل مكان”. طارت جملة “على بعد أمتار” في السماء. المصادر الأمنية الرفيعة التي تحدثتُ إليها تؤيد الفكرة التي تقول إن الأشول بادر بنقل المعلومة إلى وزير الدفاع، وكان على الهاتف على مدار الدقيقة، والأخير بدوره نقلها إلى الحوثيين”. مرّ وقت قصير قبل أن يعثروا على المكان الآمن، وهناك وجدوا القشيبي، وصلبوه بطريقتهم. كانت آخر عبارة سمعها القشيبي في حياته، بحسب الرواية الأكثر صلابة، سمعها القشيبي هي “هل تعرف جرف سلمان”؟ أما الشرطة العسكرية فدخلت تتجول في اللواء، وتقلب جثث القتلى، وتتبادل السلام مع ميليشيا الحوثي. بدا كأن جنود اللواء الذين قتلهم الحوثيون ينتمون إلى عالم آخر، أو أنهم غير مرئيين.

تجاهلت وزراة الدفاع الأمر بعد ذلك كلّياً، وذهب هادي يضلل الناس، بمن فيهم نفسه. وأكثر من ذلك حاول أن يمنع الناس من أن تتذكر حقيقة أن القشيبي سبق وقدم استقالته إلى هادي أكثر من مرّة وكان الأخير يرفضها قائلاً “لن يتصرف الحوثي باليمن كما يشاء، أنا الرئيس”. وكان يعدّ لنحره، إذ ذهب بعد ذلك يقول للسفراء إن القشيبي كان قائداً متمرّداً. أما الوزراء الثلاثة الذين اجتمعوا ليدوّنوا خطاباً رسميّاً يدينُ اقتحام المعسكر وقتل قائده فقد فوجئوا بوزير الدفاع يقف على رؤوسهم ويقول بصوت آلي خشن “خففوا صيغة البيان، لا داعي لأي تصعيد، وليس هناك ما يستحق الإثارة”.

مرّة أخرى..
بعد عشرات السنين سيحتفظ الرجلان بمكانيهما: عبد الملك الحوثي ملكاً، وآمراً، وصالح هبْرَة موظفاً مأموراً. وحتى فيما لو حدثت ظواهر طبيعية مدمّرة، ومات نصف البشر أو نجوا من الموت لن تتغير مواقع الرجلين: الملك والمأمور. وليس لذلك من تفسير سوى أن الله يحب عبد الملك، ولا يحب هبرة. غير أن الأمر الأكثر جللاً في هذا المشهد هو أن هبرة لن يراجع إلهه قط في هذا الشأن. في السرّ ستنمو طبقة جديدة من المؤمنين تعاتب الإله: لماذا تحبّ عبد الملك أكثر منّا. وعندما يعثر مسلحو عبد الملك على هذه الفئة المؤمنة سينتهكون حياتها بوحشية، وسيقال لهم “كانت تلك هي إجابة الإله، فحذاري من مساءلته مرّة أخرى”. هذه ليست مقطوعة درامية، فقبل أيام عاد أحمد عوض بن مبارك إلى القاهرة حزيناً ومحنيّاً. التقى الرفاق الجنوبيّين وأطلعهم على المعلومة التي دفنها بعيداً عن أعينهم وآن أن يطلعهم عليها بعد أن اختلس الحوثي مجده في اللحظات الأخيرة.

طبقا للرواية الأخيرة لبن مُبارك ففي اللقاء الذي جمعه بالحوثي في صعده ألمح بن مبارك إلى ما أسماها “الإرادة الجنوبية” ومرّ على فكرة استعادة الدولة. ويبدو أنه كان ينقل تلك الكلمات كرسائل هادوية لمساومة الحوثي. لم يكن هادي يضغط على الحوثي أو يهدده، كان فقط يساومه، وهُنا يكمن لغز سقوط الجمهورية إلى حد بعيد. يقول بن مبارك إن الحوثي اعتدل في جلسته وخاطبه بصورة مباشرة مشيراً بسبابته تجاه صدر بن مبارك. قال الحوثي إن أمر الشمال محسوم، وأنه الشخص الوحيد المخوّل بالحديث عن المصير السياسي للشمال. أما الجنوب فإن مسألة انفصاله “أبعد من عين الشمس”، وأنه على أهبة الاستعداد لخوض حرب في الأراضي الجنوبيّة حتى آخر مجنّد يملكه، وآخر طلقة مدفعيّة. حدث ذلك قبل سقوط صنعاء بساعات. نقل بن مبارك الرسالة إلى وزير الدفاع وهادي، وبدا كأن الرجلين لم يسمعا ما قاله فلم يكونا مشغولين بأمر الجنوب، ولا بأمر الشمال. بدلاً عن ذلك فقد اتخذ هادي ووزيره طريقاً آخر. ففي تمام الساعة التاسعة مساء، 20 سبتمبر 2014، هاتف وزير الدفاع السياسي المعروف صلاح باتيس “إصلاح، حضرموت” قائلاً: أنا الآن في القيادة العامة، كي تتأكدوا أننا اتخذنا قراراً بالمواجهة العسكرية، أبلغ أصحابك بذلك وأخبرهم بأن عليهم أن يصمدوا في أماكنهم. غير إن الإصلاح كان قد خسرَ كثيراً، وبات أمر انسحابه مجرّد مسألة إجراءات. بدا لهُم أن هناك مذبحاً كبيراً وأن ثمّة من قرر نحرهم عليه قرباناً. أما الحوثيون فلم يجدوا مانعاً من أن ينحروا أي يمنيّ أياً كانت صفته، فلديهم ما يكفي من الذرائع. فهم يقتلون اليمنيين كأنهم لا يعرفونهم. يتعاملون مع اليمني، منذ مئات السنين، على طريقة الظواهر الاستعمارية الإحلالية. فقبل مئات السنين سئل الإمام عبد الله بن حمزة، من الأئمة الذين حكموا اليمن، عن سبب نحره لليمنيين فرد غاضباً “قتل جدّي الإمام علي ثلاثين ألفاً في نهار واحد، كانوا كلهم من المسلمين، ومن قتلاه من حضر بدر المسلمين فما بالكم بهؤلاء الأوباش”. كان يقصد بالأوباش الشعب اليمني.

في نهار اليوم 20 سبتمبر انطلقت المدفعية من فرق الجيش المرابط في كل من عطّان، ونقُم مستهدفة مقرّ الفرقة الأولى مدرع. كان وزير الدفاع يصرّ على حسم أمر الفرقة بسرعة بعد صمودها مسنودة بالتشكيلات المسلّحة التي قدمها الإصلاح والقبائل والمتطوّعون. وكان هادي قد أعطى موافقة على تلك الفكرة قائلاً إنه يريد أن ينتهي من ذلك الكابوس إلى الأبد. في تلك الأثناء كان أحد وزراء حكومة باسندوه في زيارة قصيرة للسفير الأميركي في صنعاء. جاءه اتصال مفاجئ من شخصية مرموقة أخبرته أن الجيش يهاجم الفرقة الأولى مدرّع من أكثر من جهة، وأن هناك حالة من الذهول والحيرة والشلل. نقل الوزير هذا الخبر إلى السفير الأميركي فهاتف الأخير الرئيس هادي مباشرة، وكان أول سؤالٍ طرحه عليه ـ طبقاً لرواية الوزير ـ هو: هل فرق الجيش المرابطة في عطّان ونقُم لا تزال تحت قيادتك أمّ أنها تمرّدت؟ أجاب هادي “لا تزال تحت قيادتي ولا يوجد أي تمرّد”. سأله السفير الأميركي: لماذا تقصف الفرقة المدرعة إذاً؟ ارتبك هادي، طبقاً لرواية السفير الأميركي، وقال إنه لا يعرف، وأنه سيسأل من يعرف! فيما يخص هذه الحادثة، إطلاق النار على الفرقة المدرّعة، بدت المصادر العسكرية في الفرقة المدرّعة مترددة عندما سألتها وأعطتني إجابات غير واضحة، مفضّلة فيما يبدو عدم تأكيد أو نفي الحادثة بشكل نهائي لأسباب غير مفهومة.

نجا الجنرال من موت محقق. كان العقيد خالد العندولي مقرّباً من الجنرال علي محسن. في الساعات الحرجة استطاعت جماعة الحوثي أن تخترق تحصينات الجنرال وجداره الناري عبر الضابط المقرّب منه “العندولي”. في تقدير القيادات العسكرية التي سردت لي القصة فإن العندولي عندما رأى كل القادة، بمن فيهم الرئيس، يبيعون الدولة والجيش والعاصمة قرر أن يشترك في العملية ووشى بقائده. لا يزال مصير الرجل مجهولاً وفي الغالب، بحسب أكثر من رواية عسكرية، فقد اتجه إلى صعدة وقدم ولاءه لقيادة الميلشيات هناك. قائد عسكري آخر فرّ أيضاً في تلك الساعات. فقد كان قائد هيئة عمليات القوات المسلحة من أكثر العسكريين حماساً لتنفيذ خطة الدفاع عن صنعاء. وعندما وقف أمامه وزير الدفاع معلناً تجميد كل فعل عسكري وبشكل نهائي، في الوقت نفسه كانت جيوش الحوثي تقتحم صنعاء أدرك الرجل أن قائده الأعلى سيبيعه للميليشيا كما فعل مع كل شيء. فر قائد عمليات القوات المسلّحة من صنعاء، واختفى بعد ذلك.

في كل الأوقات كان هادي ووزير دفاعه يتحركان في مدارات أخرى لا علاقة لها بالشمال ولا بالجنوب. فالرجل الذي فرّ من عدن صبيحة يوم من أيام العام 1986 وهو في وافر شبابه لن يعثر على بطل بداخله وهو يتخطىّ السبعين. المعلومات الدقيقة التي حصلت عليها من مصادر عليا تقول إن المملكة السعودية بعد أن وعدت هادي، عقب سقوط عمران، بثلاثة مليارات دولار منها 700 مليون دولار لشراء ترسانة عسكرية وترميم سرب المقاتلات فإنها ـ المملكة، سرعان ما حوّلت مبلغ 234 مليون دولاراً. من هذا المبلغ دفع هادي ووزير دفاع 96 مليون دولاراً لشراء قطع غيار من روسيا البيضاء، وأخفوا الباقي، أي 138 مليون دولاراً. حدثت هذه السرقة عندما كان الحوثيون يقتحموشملان ويفرضون إيقاعهم على شمال العاصمة. ترك وزير الدفاع أمر الجيش لسكرتيره الإمامي طه الظفري وراح يتدبّر مصادراً جديدة للدخل. إننا بصدد قصة تقول إن قائد الجيش انشغل أثناء سقوط الدولة بالسرقة، وهذا المشهد السينمائي كان على الدوام حكراً على مهمشي الحروب والعبيد وكلاب السكك، تلك التي تختطف لقمة من حقيبة جريح أو تسرق نعلاً من جندي قتيل.

يتذكر هادي جيّداً موقف اللواء الجائفي من حرب عمران، واحتلال صنعاء. الجائفي هو آخر القادة العسكريين الكبار الذين استمروا في المشهد حتى الآن، وهو أمر يزعج هادي كثيراً، وكذلك الميليشيا. يريد هادي نظاماً عسكرياً يتحكم به طه الظفري عبر شبكته الخاصة! في الأيام الماضية اشتكى هادي للسفراء من قائد الحرس الجمهوري قائلاً إنه ضابط متمرد، مستخدماً في وصفه العبارات نفسها التي كان يصف بها القشيبي.

هادي هو الأمثولة الأكثر إدهاشاً، وإثارة للعار والخجل. فعندما عرض عليه رئيس الحكومة باسندوه مد جسور دبلوماسية مع إيران حتى يمكن التعامل مع المأزق الحوثي بشكل أكثر جدّية ومعقولية فإن هادي رفض الفكرة تماماً وراح يشي برئيس حكومته لدى خصوم إيران مرّة أخرى. غير أن هادي عاد مرّة أخرى وطلب التواصل الرسمي مع إيران عبر وسيط “عُمان”. بين الفكرة التي طرحها باسندوة والرغبة التي أبداها هادي للاتصال بإيران سجلت الأوراق حادثاً مدويّاً. فقد زار وفد إيراني رفيع، من مسؤولي وزارة الخارجية الإيرانية وآخرون، اليمن فرفض هادي استقبالهم. لم ينس هادي أن يبلغ السعودية أنه رفض استقبالهم، وأن يبلغ الحوثي أنه فعل ذلك تمويهاً! طلب الوفد اللقاء برئيس الوزراء باسندوه فرحّب بالأمر. وجد باسندوه نفسه فاقداً للغة، عاجزاً عن الحركة وفضّل الصمت العميق. ذلك أن رئيس الوفد فاجأه بقوله “فيما يخص السفينة جيهان، والمعتقلين الإيرانيين لديكم، للأسف كل اتصالاتنا بالرئاسة اليمنية فشلت، فقد كنّا نحَال على أبناء الرئيس وهؤلاء كانوا يطلبون فدية مالية. في المرة الأخيرة وصلت الفدية زهاء عشرة ملايين دولار، ونحن نرى في هذ الأمر ابتزازاً لا يتسق مع الأعراف الدبلوماسية”..

سقوط عمران أثار شهية هادي ووزير دفاعه. كما كشف خارطة القيادات العسكرية التي قالت لا لسقوط عمران. هُنا اقتضت الخطة المجيء بالحاوري لقيادة المنطقة العسكرية السادسة. التغيّر المهم في الأيام الأخيرة للحاوري أنه كان ضمن مشائخ همدان الذين وقعوا وثيقة صلح وولاء لـ / مع الحوثي. يدين الحاوري بولاء شديد لصالح، وكان أحد الضباط الثلاثة الذين اشتركوا في اغتيال الحمدي بحسب عشرات الروايات المدوّنة. كانت صنعاء على مرمى حجر، وكان الوقت مناسباً لأن يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب. المصادر العسكرية الرفيعة التي تحدثت إليها قالت إن اختيار الحاوري جاء بعناية شديدة وبتنسيق مع حوثيي الجيش. بعد جريمة شملان، ورؤية العالم لجثث الجنود في الشوارع اجتمع هادي بهيئة الاصطفاف الوطني وقال لهم على طريقته “للأسف، عيّنت الحاوري لأنه أقنعني أنه ضد صالح. سبق أن سبّ صالح أمامي، لكنه خدعني. الحاوري عميل لصالح، خدعني، والآن لا يمكن تغييره”. بينما كانت جيوش الحوثي تقتحم شمال العاصمة أعاد هادي الجنرال محسن إلى الفرقة الأولى مدرّع تلفونياً. ذهب الرجل إلى الفرقة موعوداً بدعم كبير. لكن الوقت كانت قد تأخر، وكان التلفزيون قد سقط، والتباب المطلّة على جامعة الإيمان والفرقة المدرّعة. حدثت مواجهة قصيرة أدرك معها الجنرال، ومعه الإصلاح بأن الوقت قد تأخر لفعل أي شيء وأنه القشيبي 2، وأن جهة ما ستقبض ثمن جثته. أغلقت كل معسكرات الجيش أبوابها تماماً وتحركت دبابات الحوثي كأنها تعبر في أرض بلا شعب. وبقي في نهار صنعاء، وفي ليلة، 500 فرداً في الزي الرسمي يحرسون اليمن الذي لا يعلم عنهم شيئاً.

وفي ظهيرة يوم 21 سبتمبر غادر محسن الفرقة الأولى مدرّع واتجه إلى السفارة السعودية. وبدوره هاتف السفير السعودي الرئيس هادي قائلاً “الملك يبلغك التحية ويطلب منك حماية حياة علي محسن”. طلب هادي من محسن المجيء إلى دار الرئاسة، فطلب السفير حراسة خاصة. وصلت الحراسة، وفي سيارة مرسيدس ليموزين سوداء اتجه محسن من مقر السفارة إلى دار الرئاسة. بات محسن نهاره كاملاً مع هادي في دار الرئاسة في وجود بعض اللاجئين من السياسيين والإعلاميين. دار بين الرجلين حوار طويل، ومعقّد، لو دوّنه اليمنيون فسيكشف الضوء على أسوأ ساعات صنعاء. في المساء طلب هادي طائرة مروحية من القاعدة الجوية في صنعاء، لكنها كانت قد سقطت كلّياً بيد الحوثيين. رفض الحوثيون السماح لأي طائرة عسكرية بالإقلاع دون معرفة “لماذا”. اضطر هادي لطلب طائرة عسكرية من خارج صنعاء، أغلب التقديرات أنها جاءت من تعِز. قامت المروحية بنقل الجنرال علي محسن الأحمر ورفاقه إلى الحديدة. من الحديدة غادر الجنرال عبر مروحية أخرى إلى الأراضي السعودية، إلى جيزان..

يدور الرجلان، هادي ووزير دفاعه، في عالم معقّد من الهمجية والمال واللصوصية والتآمر. فالدبلوماسي الرفيع الذي أخبرني قبل عام أن هادي يقرأ الكتب محاولاً أن يثير إعجابي عاد قبل أيام للاتصال بي، وليخبرني بأن الكُتب التي حدثني عنها قبل عام كانت متعلقة بالجاسوسية والجرائم. وأن هادي بالفعل مهووس بالمؤامرات والدسائس. فعندما تآمر صالح مع الحوثي اتجه هادي لمنافسة صالح على الكنز ذاته. في الأيام الأخيرة قرّر صالح العودة إلى السعودية فرحّبت السعودية بالأمر. وبحسب المعلومات التي لدي فإن السعودية قبلت الصفقة وتسعى لتزويد صالح بمبالغ مالية كافية لملمة شتات النسيج الذي اختطفه الحوثي. في الوقت نفسه أوقفت مبلغ 450 مليون دولاراً كانت جاهزة للتحويل إلى صنعاء، كجزء من التزام سعودي حديث. سئمت السعودية هادي، حتى السعودية. خرج هادي بخطاب ضد الحوثي لينافس صالح في هجاء الأخير، كما نافسه في التحالف معه. غير أن هذا ليس الجزء الأكثر سوء في فخامة السيد الرئيس.

 

 *من صفحة الكاتب على فيسبوك: https://www.facebook.com/alghafory

ليلة سقوط الجمهورية!!

الكاتب اليمني الرائع الدكتور مروان الغفوري يكشفُ السّتار لأول مرة عن خبايا التهام المليشيا المسلحة المُدن اليمنية وتورّط الرئيس هادي شخصياً. مقال للتاريخ وجدير بالقراءة..

ليلة سقوط الجمهوريّة!!

=============================================================================================

مروان الغفوري

=============================================================================================

21-01-14-291931664

في الواحد والعشرين من سبتمبر 2014 سقطت الجمهورية في اليمن، وصعد نظام جديد خليط من الميليشاوية والملكية والجمهورية بمرجعية ثيوقراطية متوحّشة. يتحدث مشايعو هذا النظام عن رحمته وعدالته. أما الآخرون، وهم الأغلبية، فيتحدثون عن جبروته ولا أخلاقيته. بموازاة ذلك منح هذا النظام الجديد أتباعه الأمن، وقال إنهم المواطنون الصالحون. أما الآخرون فكان الخوف نصيبهم، وكانوا بنظر هذا النظام الجديد مجرد لصوص، وإرهابيين، وعملاء. هكذا انقسم المجتمع أفقياً منذ اليوم التالي للسقوط. بقيت نسبة من السكّان خارج هذه الثنائية، وهؤلاء علقوا بين المواطنين الصالحين والأشرار.

لا يعلم أحد كم من العمر يبلغ هادي، لكنه لا يزال قادراً على الكذب كفتى في العشرينات. ولا يعلم أحد كم لديه من الأولاد لكنهم يشاركونه الكذب كشيوخ في الثمانينات. حاصر الحوثيون عمران، واختلقوا الذرائع. كان قائد اللواء 310 أحد أشهر خصومهم العسكريين. حشد الحوثيون قدرات رهيبة وحاصروا مدينة عمران لأشهُر. أما هادي فقد قال للسفراء الأجانب إن ما يجري في عمران ليس سوى مناوشات بين الإصلاح والحوثيين. سقطت عمْران، وقتل قائد اللواء مع مجموعة من قادة اللواء وجنوده فلم تصدر وزارة الدفاع، ولا الرئاسة، بياناً، ولا حتى بطاقة عزاء. حتى تلك اللحظة كان مكتب هادي يوزع بطاقات العزاء على الجمهورية اليمنية حتى ليخيّل للمتابع أن اليمن يمرّ بوباء. بعد أيام زار هادي مدينة عمران الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. برر ذلك، بحسب حديثه لهيئة الاصطفاف الوطني بجملة “هددت السفارة البريطانية بأنها ستغلق أبوابها، وأن البعثة ستغادر”. وعندما سئلت السفيرة البريطانية عن ذلك قالت إنها لم تتحدث معه بهذا الشأن، وأن بريطانيا لا تفكر بالتخلي عن اليمن في هذا الظرف. كان هادي يحاول منح الغزو الحوثي لعمران مشروعية داخلية وخارجية، وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد.

انطلق إلى السعودية. أمام الملك بكى هادي طويلاً وارتجفت أصابعه. الظروف صعبة، والخدمات رديئة، والحوثيون يحاصرون صنعاء، وصنعاء بوابة الرياض. هكذا كان يتحدث إلى الملك. تبرع الملك لليمن بحوالي ثلاثة مليارات دولار، منها 700 مليون دولار لتأهيل العتاد العسكري، بما في ذلك الطيران الحربي. قال هادي للملك، بحضور وزير الخارجية السعودي ووزير المالية، إن اليمن عازمة على التصدّي للحوثين وأن القدرة فقط هي ما يعجزها، لا الإرادة السياسية. بعد عودته من السعودية رأس هادي اجتماعاً للحكومة قال فيه إن السعودية عرضت تدخل الجيش السعودي لحماية صنعاء، مستعيراً كلمات الملك السعودي “اليمن الفناء الخلفي للسعودية”. لكنه ما إن غادر الاجتماع حتى طلب لقاء السفير الأميركي. في اللقاء قال هادي للأميركيين إن السعودية تضغط عليه ليخوض حرباً ضد الحوثيين، وأن اليمن غير قادر على مثل هذه الحرب. قال أيضاً أن هناك اتفاقات سياسية مع الحوثيين وأنه لم يُسجل عليهم خروقاً حتى الآن. اقترب الحوثيون من صنعاء فقال هادي في خطاب نشرته القنوات الرسمية إن الحوثيين لم يلتزموا باتفاقية واحدة منذ العام 2011.

إذا عدنا إلى الخلف قليلاً لنتأمل هادي من الأعلى فسنراه يمسك بالسماعة ويهاتف الرئاسة الجزائرية. طلب من النظام الجزائري أن يعتذر عن لقاء الوفد اليمني برئاسة باسندوه. كان باسندوه قد سافر إلى الجزائر مع وفد رئاسي رفيع لغرض “طرق الأبواب” والبحث عن أصدقاء جدد ومساعدات جديدة. مستنداً إلى علاقة قديمة مع بوتفليه أمل باسندوه أن يعود الوفد بمكسب يليق بحجم الزيارة. اعتذر بوتفليقه عن لقاء الوفد اليمني، وكانت الحجة: إن الرئيس يعاني من وعكة صحية. أما هادي فقد أبلغ السعوديين بالقصة على النحو التالي: باسندوه اتجه إلى الجزائر، ويبدو أنه يدبّر شيئاً للملكة من واقع معلوماتنا. غضب السعوديون، وهم غالباً ما يديرون سياستهم الخارجية بالغضب تارة وبالانحناء تارة أخرى. في الأشهر التالية سترفض السعودية إعطاء باسندوه تأشيرة دخول إلى أراضيها قبل أن يكتشف الرجل السر، ويشرح موقفه للجيران.

على طريقة العبد المسحوق يتصرّف هادي. يكذب في كل الاتجاهات، يخدع كل الاتجاهات، ويسقط في كل الاتجاهات. وبالنسبة لدبلوماسي غربي رفيع فإن هادي أمام خيارين، في هذه الساعة: أن يفرّ إلى الخارج، أو أن يعيش كنسخة أخرى من فارس منّاع بدرجة رئيس جمهورية. يقول المسؤول الغربي: تقديري أن لدى هادي الاستعداد النفسي لأن يلعب دور فارس منّاع، على أن يلقب بالرئيس.
رفع الحوثيون جاهزيتهم القتالية لاقتحام صنعاء. استخدم الحوثيون، بحسب تقارير وزارة الداخلية، كل وسائل الاتصالات الخاصة بالتشكيلات العسكرية التابعة لصالح، وكان عمّار صالح هو المزوّد الرئيسي لكل أشكال المعلومات حول صنعاء. كان عمار وكيلاً لجهاز الأمن القومي، لم يترك في الجهاز الأكثر الأهمية سوى الأشياء الأقل أهمية عندما أقيل من منصبه. الرواية الخاصة بوزارة الداخلية تقول إن الأطقم العسكرية التابعة لصالح انتشرت في الأحياء وباشرت عمليات اقتحامات وهي ترفع شعار الحوثيين. أما صالح فقد كان على اتصال مستمِر بقيادات عسكرية في صنعاء.

قبل السقوط اجتمع هادي بهيئة الاصطفاف الوطني وأخبرهم بقصة فانتازية عجيبة. قال لهم إن الأميركيين أخبروه بأنهم لاحظوا، عبر أقمارهم الاصطناعية، تناقصاً مستمرّاً في أعداد الحوثيين حول صنعاء. وبالنسبة لهادي فإن ذلك يعني أنه لا داعي لمزيد من القلق، وأن المسألة في طريق حل نفسها بنفسها. كان حريصاً طيلة الوقت على تأكيد أن كل شيء على ما يُرام. لكنه عاد، كما روى لي أكثر من شخص حضر اللقاء، وطلب من هيئة الاصطفاف أن تنشئ مخيمات جوار خيام الحوثيين. ذهب بعد ذلك إلى قيادات حزب الإصلاح وطلبَ منهم أمراً عجيباً. فقد سمعوا منه رجاءً خاصاً بأن ينشئوا مخيمات جوار خيام الحوثيين حول صنعاء. رفض الإصلاح، واعتذرت هيئة الاصطفاف الوطني، فلجأ هادي إلى حيلة أخرى. أرسل وفداً كبيراً إلى صعدة للقاء عبد الملك الحوثي. ما إن وصل الوفد إلى صعدة حتى طلب هادي من وزير الإعلام أن يعلن التلفزيون خطاب حرب ضد الحوثيين. لكن وزير الإعلام رواغ هادي وملأ الشاشة بالأغاني الوطنية والشعبية. فشلت حيلة هادي، فاشتعل غضباً وهاتف أحد الوزراء ـ كما أخبرني ـ مستفسراً عن امتناع التلفزيون عن نشر “بيان الحرب” فأخبره أنه لا يعرف عن الأمر شيئاً، وأن المخول بالإجابة هو وزير الإعلام. كانت خطة هادي تتحرك كالتالي: بما إن هنالك وفداً رئاسياً في صعدة، وخطاباً حربياً في التلفزيون فليس لذلك من تفسير سوى أن حزب الإصلاح هو من يرفض السلام الداخلي ويسعى إلى التصعيد. في الاجتماع الأخير لهيئة الاصطفاف سأل باتيس ـ إصلاح حضرموت ـ وزير الدفاع “لماذا لا تدافعون عن صنعاء” فرد الأخير “تريدون منا أن نتخلص من الحوثيين لكي تتفرغوا لنا”.

Followers of the Shi'ite Muslim Houthi group shout slogans as they attend an anti-government gathering in Arhab, north of Yemen's capital Sanaa

كانت خارطة صنعاء ليلة السقوط كالتالي: هادي ووزير دفاعه في القصر، مسلحو الحوثيين ينتشرون في كل مكان، ميليشيات صالح تحت لوحة حوثية يقتحمون الأحياء، وزارة الداخلية مشلولة كلّياً، وهناك فقط 500 شخصاً هم من وقفوا دفاعاً 
عن صنعاء، سيتذكرهم التاريخ.

بحسب الرواية الخاصة التي انفردت بها وزارة الداخلية فلم يدافع عن صنعاء ليلة ال 21 من سبتمبر سوى 500:
200 فرداً من اللواء 314 حول التلفزيون، و300 شخصاً في الفرقة الأولى مدرّع من المستجدّين المحسوبين على الثورة.

وضعت اللجنة الأمنية العليا خطة على الأوراق، ثم أصدرت بياناً يطالب كل وحدات الجيش بالبقاء في ثكناتها. انقطعت الصلة بين وزارة الداخلية والرئاسة، وبين الداخلية والدفاع. عشرات الاتصالات التي أجراها وزير الداخلية مع كل من رئيس الجمهورية ووزير الدفاع لم يجب عنها أحد. ترك هادي ووزير دفاعه صنعاء تغرق بمفردها.

تحرك هادي ووزير دفاعه تلك الليلة على نحو مريب. أبلغ وزير الدفاع القيادات العسكرية في صنعاء بأن الأطراف كلها، بما في ذلك الرئاسة، على وشك توقيع اتفاق للسلام والمصالح، وأنه لا داعي للمواجهة أو الاستنفار. في الوقت نفسه أبلغ وزير الدفاع قيادات حزب الإصلاح بأن الدولة اتخذت قراراً بشنّ الحرب، وأن عليهم أن يكونوا عند مستوى اللحظة. انتشر الإصلاحيّون في أماكن كثيرة في صنعاء، وتجمّعت حشودهم لدى القبائل، وكان أكبر تجمّاً للإصلاح في أرحب. ففي صباح الواحد والعشرين من سبتمبر كنت على تواصل مع متطوّعين في أرحب وكانوا في كامل استعدادهم النفسي والذهني. بالنسبة لرواية وزارة الداخلية فقد “تبخّر الإصلاحيون فجأة من كل مكان”.

أما هادي فكان على الهاتف يبلغ المجتمع الدولي بأن ما يجري مجرد مناوشات بين الإصلاح والحوثيين، وأن الإصلاحيين لأسباب غير معروفة يرفضون اتفاقات السلم والمصالحة. هذه الرواية جاءت أيضاً على لسان السفير الأميركي الذي قال لدبلوماسي يمني رفيع بأن وزارة الدفاع أبلغتهم بأن كل شيء على ما يُرام، وإن الإصلاحيين فقط هم يحاولون الاصطدام مع الحوثيين، وأن ما حدث في شملان ليس سوى مناوشات بين الطرفين. حتى يوم السقوط كان السفراء الأجانب يرددون إن كل المعلومات التي تردهم من الرئاسة والدفاع تتحدث عن التزام الحوثيين بالاتفاقيات، وأنهم لم يسجلوا خرقاً واحداً من قبل الحوثيين.

لكي تكتمل اللعبة المدمّرة طلب هادي من اللواء علي محسن الأحمر العودة إلى الفرقة الأولى مدرّع. كان اللواء 314 الواقع في شمال العاصمة قد سقط كلّياً في يد الحوثيين بعد أن طلب وزير الدفاع عن القادة المغادرة، ثم ذهب صباح اليوم التالي وطلب من الجنود الاستسلام كما روى الجنود لصحيفة المدينة السعودية، ولأكثر من وسيلة إعلامية أخرى.

تبخّر الإصلاحيون وبقيت الفرقة الأولى مدرّع بـ 300 مجندٍ شابٍ وطلب هادي من محسن أن يواجه ووعده بستين دبابة. مرّ الوقت ولم يصل شيء من السلاح، كما لم تتحرك أي من القطع العسكرية لحماية شمال العاصمة. بقي جنوب العاصمة مجمّداً، فقد وجد الجائفي، قائد الحرس الجمهوري، نفسه ضمن لعبة معقّدة غير مفهومة، بينما يتلقى سيلاً من الأوامر تطلب منه البقاء في مكانه ونسيان كل ما يجري في صنعاء. في تلك اللحظة وصلت رسالة جوّال إلى تلفون مسؤول يمني رفيع من دبلوماسي غربي في صنعاء، تربطهما علاقة صداقة “لقد تم تحديد القشيبي 2”. جمع محسن الجنود في الفرقة بعد أن خاضوا مواجهة مرّة وصعبة وقال لهم “اخلعوا الزي العسكري، والبسوا زيّاً مدنيّاً، لقد انتهى الأمر”. غادر المجنّدون، وتبخّرت كل اللجان الشعبية التي كان عمودها الإصلاح. تقول رواية قيادات الإصلاح إنهم أحسوا بأن قراراً قد اتخذ بتصفيتهم، وتدمير التنظيم كلّياً.

في ظهيرة الواحد والعشرين من سبتمبر جاءتني رسالة من شاب كان حتى الفجر ضمن معسكرات المتطوّعين في أرحب. تقول رسالته “أنا الآن في صنعاء، انتهى كل شيء. باعونا عيال القحبة”.

كانت صنعاء تعج بحوالي 60 ألف عسكريّاً ضمن تشكيلاتها العسكرية المختلفة، لكن الذين دافعوا عنها لم يكونوا سوى أولئك الـ 500 فرداً. صحيح إنهم لم ينقذوها لكنهم حفظوا شرف الإنسان اليمني إلى الأبد.

في القصر الرئاسي كان هادي هادئاً، ومبتهجاً، ومعه في الداخل الساسة ووزير دفاعه. قال إن سبب بهجته يعود إلى رؤيته لحكمة اليمنيين وهي تبهر العالم. أما وزير الداخلية، ع. الترب، فقد بقي لوحده في الخارج. رفض الحوثيون التوقيع على الملحق الأمني عصر ذلك اليوم مشترطين محاكمة قتلة الثوّار. أدرك الترب أنه 
المقصود، وكان عليه أن ينقذ نفسه.

تصرّفت الداخلية على النحو التالي: أمنت البنك المركزي بعدد 70 جندي أمن مركزي. خلال ساعات كان البنك، وحراسته، تحت حصار ينفذه حوالي 300 مسلحاً حوثياً مستخدمين الدبابات التي سيطروا عليها من اللواء 314. المعلومات وصلت لدى قائد الجيش، وزير الدفاع، ورئيس الأركان لكنهما لم يفعلا شيئاً. بدلاً عن ذلك أعادوا التأكيد، عبر بيان رسمي، على أن الجيش لن يغادر ثكناته. كانت رسالة شديدة الصرامة والصراحة تقول للمهاجمين: الجيش يقع خارج خطوط سيركم. اقتحم الحوثيون مقرّ القيادة العامة، ثم حاصروا المالية والداخلية. بالنسبة لرواية وزارة الداخلية فقد انهارت معنويات أفراد الشرطة والأمن كليّاً في تلك الساعات، وبدأوا بالفرار وخلع الزي الأمني. كان الحوثيون يمهلون حرس كل مؤسسة نصف ساعة فقط للهرب.

تقول قيادات وزارة الداخلية في شرحها لما حدث: كان لدينا خياران، إما المواجهة المحسومة سلفاً، أو الفرار وترك كل شيء للفوضى والنهب. كلا الأمرين كارثي، لذلك لجأت الوزارة إلى طريق ثالث “الاتصال بالسيد عبد الملك الحوثي مباشرة وحقن الدماء وحفظ ما بقي من المؤسسات”. ساقت الأقدار، بحسب تعبير مسؤول أمني رفيع المستوى، السيد يحيى المختفي، وهو وكيل محافظة صعدة. ترجاه قادة وزارة الداخلية أن “يشفع لهم” لدى عبد الملك الحوثي، ففعل. في الرابعة من مساء الواحد والعشرين من سبتمبر جاء تعميم من عبد الملك الحوثي يطلب من أتباعه التعاون مع الشرطة واعتبارهم “إخوةً لأنصار الله”. وزير الداخلية، من جهته، أصدر تعميماً موازياً مستخدماً الكلمات التي وردت في تعميم “السيد”، أي اعتبار الحوثيين أصدقاءً للشرطة. وفي تمام الثامنة والنصف مساءً جرى التوقيع على اتفاق السلم والشراكة، الذي سيصفه دبلوماسي غربي رفيع بأنه “لا يساوي قيمة الحبر الذي كتب به”.

بقي الملحق الأمني دون توقيع، فقد كانت رأس وزير الداخلية مطلوباً. كانت خطابات 
الحوثي تفصح عن هذه الرغبة المتوحشة تحت لافتة “قتلة الثوّار”. ولهذه القصة جزء خفي، ومرعب..

فعندما تظاهر الحوثيون في صنعاء أصدر هادي تعليماته إلى وزير الداخلية باستخدام الذخيرة الحيّة وضرب المتظاهرين في السيقان والأقدام والمناطق غير المميتة. وكما راوغ وزير الإعلام قبل ذلك فقد فعل وزير الداخلية أمراً مشابهاً سيتذكره التاريخ باعتباره فصلاً فانتازياً شديد الغرابة. ألقى ع. الترب محاضرات في كبار ضباط الداخلية وشرح لهم الطرق الحديثة في مواجهة المعتصمين، ثم أصدر تعميماً خطيّاً بعدم استخدام الذخيرة الحية أياً كانت الاستفزازات. في اليوم التالي للتوقيع كانت شخصية رفيعة من “أنصار الله” تجلس بمواجهة وزير الداخلية وتبلغه بموقف الحوثيين منه، وتنبّهه إلى حقيقة أن فرصه في النجاة أصبحت ضئيلة. لم يتدخل هادي، كالعادة، وبدلاً عن ذلك فقد أبلغ أنصار الله بأن زير الداخلية كان يعمل بخلاف أوامره. لكن الترب، بمساعدة القدر أو الحظ أو كليهما، تذكر التعميم الخطي الذي كان قد كتبه قبل حوالي شهر من تلك اللحظة وقدّم نسخةً منه لرسول السيد عبد الملك. 
بعد أيام قليلة أصدر عبد الملك توجيهاً بعدم اعتراض موكب وزير الداخلية، وحذف اسمه من قوائم الممنوعين من السفر. كما وافق على التوقيع على الملحق الأمني.

لدى الحوثيين قائمة ممنوعين من السفر. فعندما أراد وزير الإعلام قبل أسابيع مغادرة اليمن فإن أوراقه بقيت لمدة ثلاثة أيام لدى أنصار الله. بعد ذلك جاءته الموافقة، وتمكّن من مغادرة صنعاء عبر المطار الدولي. سألته شخصياً عمّ إذا كانت 
هذه المعلومة صحيحة فقال إنها صحيحة تماماً.

أما وزير الداخلية فردّ على رسالتي بالقول “نعم، طلبتُ موافقة السيد عبد الملك الحوثي على سفري، وعندما حذفوا اسمي من قائمة الممنوعين من السفر غادرت صنعاء”.

كانت الصدمة كبيرة ومدّوية في كل اليمن. أما صداها في السعودية فقد سمِع من خلال كلمات المفكر السياسي الإيراني صادق الحسيني “السعودية قبيلة تنقرض”. ضلل هادي السعودية، وخدعها، وأدخل الحوثيين إلى صنعاء، ثم سلّمهم اليمن كلّها، وها هو يفتح أمامهم أبواب الجنوب. انتقم ل 17 عاما من العبودية بطريقة مجنونة، أحرق كل شيء أمامه وخلفه لكي يطفئ حرائقه الداخلية.

قبل أيام ألقى هادي خطاباً تحدّى فيه الحوثيين، وطالبهم بسرعة مغادرة المُدن. احتار المحللون كثيراً في فهم خطاب هادي. غير أن الأمر لم يكن بحاجة إلى الكثير من التفكير. فقبل خطاب هادي بيوم واحد فقط أوقفت السعودية مبلغ 450 مليون دولاراً كانت معدّة للتحويل إلى اليمن، وكالعادة عبر بنوك نيويورك. هذا المبلغ الضخم هو جزء من التزامات المملكة لليمن منذ ما بعد سقوط عمران. السعودية تعلم أن جحيماً فتح فجأة في حدودها الجنوبيّة، وأن الرئيس اليمني ضللها كثيراً. فبعد سقوط صنعاء، عندما كتبتُ عن 17 عاماً من العبودية، جاءني اتصال من مسؤول سعودي رفيع، كان متحمّساً للمقال، وكان مخذولاً ومنذهلاً. تبادلنا الجمل والكلمات ثم سلم الهاتف لأحد الكتاب المرموقين في صحيفة الحياة اللندنية، السعودية، فكان الأخير يتحدث بمرارة وغضب، وكان يقول لي بحماس إنه يثق بنا، وأن علينا نحن الكتاب اليمنيين الشباب أن نتذكر أنهم معنا. وقلتُ له أني سعيد لأني سأتعرف عليه ككاتب وصحفي مرموق، وإن كان لقاء “تحت الأنقاض”. ويبدو أن هذه الجملة أوجعته، أو أحزنته.

في خطابه مجّد هادي جلالة الملك وقال كلاماً مجانياً عن الحوثيين. أراد أن يقول في الوقت الضائع إن الحوثيين غدروه، وأنه على الدوام لا ينوي شرّاً للمملكة. 
بحسب المسؤولين الأمنيين في اليمن فإن التنسيق الأمني اليمني السعودي فيما يخص الملف الحوثي كان عند أعلى مستوى له قبل سقوط عمران بأيام. كانت لقاءات الطرفين، بحسب المعلومات الدقيقة التي وصلتني، تخلص إلى فكرة موحّدة: صنعاء باب المملكة الأمني، وأن سقوطها سيفتح باب الشرور على السعودية. سقطت عمران، فطلبت المملكة توضيحاً من اليمن عمّ حدث، الأمر الذي اقتضى سفر هادي بحقيبة الأكاذيب خاصته. أمام الملك جثا العبد الرئيس وقال كلاماً كثيراً. بحسب المسؤولين الأمنيين الرفيعين في اليمن فإن التنسيق السعودي مع الجهات الأمنية في صنعاء خفت بعد ذلك، ثم تلاشى. وأنه ليس لذلك من سبب سوى أن الرئاسة تسلّمت الدور وبدأت عملية تضليل شاملة للملكة. فقد كانت رواية الرئاسة تعزف على القلق السياسي السعودي: الإخوان المسلمون. وحتى ما قبل سقوط صنعاء فقد سلم السعوديون برواية هادي حول طبيعة الصراع “الحوثي، الإصلاح”. قبلت السعودية الصفقة، بطريقة ما، وغضت الطرف عن عملية اعتقدت أنها تهدف لتقويض حزب الإصلاح، تلك العملية التي سيخرج فيها الحوثيون منتصرين ومنهكين في الآن نفسه، وسيكون هناك اتفاق سلام جديد، وعهد جديد بلا مخاطر!

انتهت عملية تضليل الداخل والخارج بانهيار الجمهورية اليمنية كلّياً. لقد فقد الإنسان اليمني أبسط حقّين طبيعيين يولد بهما ويموت بهما: حريّة السفر، وحرية امتلاك الرأي. Reisefreiheit und Meinungsfreiheit بالتعبير الألماني الدقيق لمعنى أن تكون حرّاً، وأن يكون بلدك جمهورية.

ففي ظهيرة الواحد والعشرين من سبتمبر 2014 ألقى شاب سلاحه خارج أسوار صنعاء، ودخلها مكروباً وهو يقول “انتهى كل شيء، باعونا عيال القحبة”.