أرشيفات الوسوم: وزير الدفاع الخائن

شبَح الحرب الأهليّة

نُفذت عملية اغتيال “صادق منصور” القيادي في الإصلاح بأثر رجعي. كانت الخطة تقتضي أن يتم الاغتيال قبل ذلك، أي قبل اغتيال الدكتور المتوكل رحمه الله بأيام. ثمة معلومات مفادها تعرض منصور لمحاولة اغتيال قبل أسابيع نجا منها.

البداية بصادق منصور، والدكتور المتوكل سيكون الهدف الثاني لتشتعل بعدها الحرب. اللعنة! من هذا الطرف الخفي الذي يسعى حثيثا لإشعال فتيل الحرب الطائفية التي نجا منه اليمنيون مراراً؛ وإلى أين كانت البلاد لتصل؟؟؟

الشهيدان

هذان القياديان، رحمة الله عليهما، من أروع ما يكون بين وسطهم الحزبي. الدكتور المتوكل همزة الوصل بين الفرقاء وحلقة السلام اللامتناهية. منصور -قبل مقتله- كان يقود مساعٍ حثيثة للَم شمل الفرقاء في تعز وتقريب وجهات النظر للتوافق على عدم السماح لأي مليشيات مُسلحة بالتواجُد على أرضها.

تغيّرت الموازين المرسومة بفشل مُحاولة اغتيال القيادي الإصلاحي صادق منصور. ومع ذلك استمرّت الخُطة لتحصُد روح الدكتور المتوكّل رحمة ربي تغشى روحه. الدكتور المتوكل، لمن لا يعرفه، شخصية اجتماعية وعاقلة مات وهو يحلُم بالدولة المدنية. سياسي مُخضرم وأستاذ جامعي تتلمذ على يده معظم السياسيين الجُدد والشباب الصاعدين.

كانت أسرة الشهيد المُتوكّل- كما عدناها- ناضجة ومُتعقّلة بل ورفضت استغلال مُصابها استغلالاً سياسياً لمصلحة طرف. عادَ الدور مُجدداً قبل أسبوع تقريباً على القيادي في حزب الإصلاح- صادق منصور. اغتيل رحمه الله بتفجير عبوة ناسفة في كرسي سيارته. ومع ذلك ابتلعها حزب الإصلاح ولم يُسارع بإلقاء التُّهم على أي طرف سياسي مُطالباً الجهات الأمنية بالقيام بواجبها في مُلاحقة الفاعلين. بمعنى آخر، ما أرادهُ الطرف الثالث والذي خطّط بعناية لهذه الاغتيالات السياسية لم يتم؛ ولن يتم. هذا الشعب المسحوق يعرفُ كيف يُقيلُ عثراته، وكيف يُطبّب جراحاته اللامُتناهية مهما كانت عميقة.

كان للخطأ في التوقيت -بعد عناية الله- دور كبير في إفشال الخُطة ما بعد الاغتيالين. في حال لم تفشل عملية الاغتيال الأولى بحق صادق منصور لكان الأمر مُختلف. ومع فشلها كان لا بد للمخططين التخلي عن الخطة نهائياً؛ لكنه الغباء المُركّب. في حال تمت عملية الاغتيال الأولى، سيكتفي حزب الإصلاح بالتنديد ولا أظنه سيُبادر بالاتهام لطرف مُحدد رُغم كونه مُستهدفاً بل وحظيَ مُنتسبوه بعمليات اقتحام للمنازل واعتداءات واسعة. سيصمُتُ الإصلاح بلا شك؛ ومن ثم سيتم تنفيذ الجزء الثاني من المسرحية باغتيال الدكتور المتوكّل. هنا ستكون الكارثة، قاصمة الظهر.

لن يسكُتَ الحوثيون، وسيُبادرون باتهام الإصلاح باعتبار العملية واضحة كانتقام سياسي لمقتل صادق منصور. سيصيحُ أهالي الشهيد المُتوكّل بعدم تمييع القضية، وعدم أحقيّة أحد في التحدّث عنهم. لكن الغضب والهيستيريا التي سيعمدُ لها مُسلحو الحوثي لن يُثنيها أحد كان؛ ولكم أن تُقدروا النتائج المُترتّبة على غضب مليشيا منهجُها السلاح. في النهاية، إنه قضاء الله ولُطفه بهذا البلد المُنهك، والذي لا يحتملُ المزيد من التمزّق. رحمة الله تغشى الشهيدين البطلين؛ ولعناتُه تُطارد القتَلة أينما حلّوا.

يا لطف الله!! إلى أين يراد لهذه البلاد أن تذهب؟؟

وجع التشبث

سكب جميل للصحفي اليمني: غمدان اليوسفي يسردُ المعاناة التي يعيشُها اليمنيون.. مقال جميل يستحق القراءة

179531_10151711229931988_1469478046_n

من قال إن على اليمني أن يظل متألما جراء هذا التشبث المر بالحياة!.
من الذي حكم على آماله بالأعمال الشاقة المؤبدة! 
هل على اليمني فقط أن يظل مطاردا في حدود الجيران، وفي الجبال وتحت مخيمات اللجوء.
من الذي أورثنا كل هذا النزوح بين الواقع والروح، بين الأرض والنبض، بين جحيم الرصاص والانتظارات.
كل شيء يتضاءل، إلا مساحة المخيمات.. ومساحة الأمل.
تتمدد المنافي في أرواحنا، وتنكمش الأرض علينا، لتقترب المسافة بين رصاصة وجسد.. بين قبلة خروج وعودة.
انتظاراتنا جاءت بكل شيء، إلا ما انتظرناه، جاء الحالمون بغنيمة، وتوارى الحالمون بوطن يلملم الشتات البشري والروحي..
جاء رواة الدم، واختفى رواة الحلم.
يتمدد صناع المنافي في شرايين أحلامنا، لتذوي الرصاصات فينا، وتحفر قبور انتصارها على حبنا لهذا التراب، غير أنها تدفننا فيه قبل أن نفكر في أن نجعل منه طوبة بناء.
نحاول لملمة الشتات بين مانريده ومايريده البارود، فتشعل أيادي القبح الفتيل ليحرق بعض الذي تبقى من ميراث حكمة وصفنا بها ذات يوم.
أيها القاطنون في مسامات شغفنا بالحياة، دعوا لنا ما تبقى حتى من الهزائم لنربيها على انتظار فتات الحلم بالعودة.. دعوا لنا ما تبقى من الخيبات لنسرح جدائل أمنياتها علها تفتن الأمل ذات يوم ويعود.
أيها المتشبثون بدمنا، دعوا لنا شيئا من الدمع عله يوقظ في أرواحنا نداء الموت في سبيل الحياة.. دعوا لأمهاتنا شيئا من لغة التوسل للسماء بأن يعود هذا الوطن لأهله.. امنحوا أطفالنا حتى حق البكاء على ماض سرقتم حاضره لأنكم لا تحبون مستقبلهم.
أيها المتباكون على أرواحنا، سئمنا لغتكم، وتعفنت صوركم في مدامعنا، لأنكم أبكيتمونا دما، وأذقتمونا طعم الغربة في أوطاننا، وبددتم أمل الكرامة أن تعود لمن يحتملون أنين الوطن في أوطان الغير.
تلعنكم دموع أولئك الذين يبكون في المنافي والمهاجر كلما أهانتهم يد الغريب، تلعنكم أحذية العاطلين في الأزقة، تلعنكم هذه الأرض كلما نطقتم أو صمتتم.. يكفيكم ماشربتكم من عرقنا، وما أسقيتم من دمنا تراب هذه الخرابة..
يكفيكم صبرنا عليكم.
أليس في عيونكم ولو شيئا من الدمع.. ابكوا ولو قليلا لاستعادة بعض إنسانكم الذي نسيتموه في محاجرنا نحن.. وعشتم بلا ألم.
ابكوا علكم تجدون شيئا من الآمنا، علكم تجدون ريح الوطن الذي نفتقده.

المقال من صفحة الكاتب الشخصية على فيسبوك : https://www.facebook.com/alyosifi

اغتيال المتوكل وأزمة “الزيدية”

الكاتبة اليمنية ميساء شجاع الدين تستحضر سلسلة الاغتيالات السياسية التي حدثت نهاية القرن الماضي والأزمات التي سببتها. اغتيال الدكتور محمد عبد الملك المتوكل وتوظيفه السياسي. اقرأوا المقال كاملاً:
اغتيال المتوكل وأزمة “الزيدية”
349
*الصورة لتشييع جنازة الشهيد (صحيفة العربي الجديد)
ليس اغتيال الدكتور محمد عبد الملك المتوكل حدثاً استثنائياً في الساحة السياسية اليمنية التي طالما شهدت عمليات اغتيال لسياسيين وقيادات عسكرية، وكانت أكبر موجة اغتيالات تلك التي طالت الحزب الاشتراكي، أثناء الأزمة التي لحقت الوحدة عام 1990، وبدأت منذ 1991 واستمرت حتى 1993، وأودت بحياة أكثر من مائة كادر حزبي نشط، معظمهم من محافظاتٍ شمالية، وكانت أحد أبرز تجليات هذه الأزمة، وسبباً أساسياً لانعدام الثقة بين طرفي الوحدة وانفجار الحرب الأهلية عام 1994. ومن عمليات الاغتيال الفردية تلك التي قضى فيها الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، جار الله عمر، في ديسمبر/كانون الأول 2002، وهو مهندس تحالف أحزاب اللقاء المشترك. وتمت الجريمة أثناء إلقاء عمر خطبة في المؤتمر العام لحزب التجمع اليمني للإصلاح، حيث تم انتقاء التوقيت والمكان بعناية، لنسف فكرة أحزاب اللقاء المشترك في مهدها.

هل تعد عملية اغتيال المتوكل فردية، بحكم الطبيعة المعتدلة للرجل، والتي تقربه من جميع أطياف الحياة السياسية اليمنية، على الرغم من خفوت نشاطه، بعد حادثة الموتورسيكل التي أصيب فيها في ديسمبر/كانون الأول 2011؟ أم أنها كانت عملية اغتيال ضمن موجة اغتيالات طالت الكوادر السياسية الزيدية المعتدلة، بعد اغتيال الشخصية السياسية الزيدية، الدكتور عبد الكريم جدبان، في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، ثم الدكتور أحمد شرف الدين، ممثل “أنصار الله” في مؤتمر الحوار الوطني في يناير/كانون الثاني عام 2014؟

تجمع جرائم اغتيال المتوكل، وقبله شرف الدين وجدبان، أن ثلاثتهم شخصيات سياسية زيدية معتدلة، وإن اختلف المتوكل عن الآخريْن بأنه لا يمكن وصفه من مناصري جماعة الحوثي، أو أنه شخصية تمثل المذهب الزيدي. فالرجل يصعب تصنيفه سياسياً، ويمكن، تقريبياً، ومن التعريف العام للحزب الذي أسسه “اتحاد القوى الشعبية”، اعتباره شخصيةً تتبنى قيماً منفتحة وديمقراطية بمرجعية زيدية، حيث كان يحاول تفسير النصوص الدينية الإسلامية بشكلٍ يتناسب مع قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. والأهم أنه كان مقرباً من جميع التيارات السياسية، وأكثر ما يميزه حضوره الشخصي الودود والمتواضع، وكان، في الأزمة الأخيرة، مناصراً للحوثي، وبرر له أفعالاً كثيرة، وانتقد بعضها.

وتطرح عملية اغتيال المتوكل السؤال البديهي بعد كل عملية اغتيال، من القاتل؟ في كل مرةٍ، تمر حوادث الاغتيال من دون تحقيقاتٍ في اليمن، ثم بمرور الوقت، يرجح فاعل سياسي ما له مصلحة وراء الاغتيال. هذه المرة، يبدو الوضع أكثر فوضوية وأصعب بشأن الجزم عمّن يكون صاحب المصلحة في هكذا عمليات، تطال الشخصيات السياسية المعتدلة في اليمن، فمن هو صاحب مصلحة تفريغ جماعة الحوثي من أي وجوهٍ معتدلة، ومن هو صاحب مصلحة إخلاء الساحة السياسية اليمنية من أي زيدي معتدل؟

عملية اغتيال المتوكل فرصة لفتح ملف حساس، يتعلق بمشكلة المرجعية السياسية والدينية لحركة الإسلام السياسي الزيدي، والتي تصدرها الحوثي، أخيراً، وبرزت، كما هو معروف، قوة مسلحة تحتكر، كلياً، تمثيل المذهب الزيدي، فيما تفترضه تعدّياً على المناطق الزيدية، بنشر السلفية فيها، حيث ارتكب السلفيون ممارسات مستفزة فيها، مثل منع الزيود من رفع آذانهم بجملته التمييزية “حي على خير العمل”، وزيارة قبور أئمة زيدية معروفين، ونشر معاهد علمية كان يشرف عليها الإخوان المسلمون.

وكان الزيود قد بدأوا في تأسيس ما يشبه مخيماً صيفياً، يُدعى منتدى الشباب المؤمن، لتدريس أصول المذهب الزيدي بشكل مبسط في 1992، وتوسعت هذه المعاهد والمنتديات، حتى وصلت إلى ذروتها قبل حرب صعده عام 2004، ثم أغلقت نهائياً. ومن اللافت أن الحوثي لم يعد فتح تلك المعاهد في مدينة صعده، بل وضيّق على بعض تلامذتها، وبعض المراجع الزيدية التقليدية.

كانت مناهج تلك المعاهد تصدر بترخيصٍ من والد حسين وعبد الملك الحوثي، العلامة الزيدي بدر الدين الحوثي، ومن ثم تأسست الحركة الحوثية، بترديد ابنه حسين الحوثي (قتل عام 2004 في الحرب) شعار الصرخة المستلهم من شعارات الثورة الإيرانية “الموت لأميركا..”، وبسببها قامت حرب صعده. ويُذكر أن خلافاً حاداً نشب بين أسرة الحوثي وأحد مؤسسي الحركة، محمد سالم عزّان، والذي كان يمثل المنهج المعتدل، ولم يكن ميالاً لشعار الصرخة أو تلك التأثيرات الدخيلة.

بسبب شعار الصرخة، وسفر بعض الزيود للدراسة في إيران، ومنهم مؤسسو المنتديات، مثل حسين الحوثي ومحمد عزان، دأب خصوم الحركة في تصويرها حركة ليست زيدية، بل اثنى عشرية، في محاولة لتصويرها حركة غريبة ودخيلة على اليمنيين. فيما لا تؤمن الحوثية بأبرز أفكار الاثنى عشرية، مثل الغيبة والعصمة وغيرهما، لكنها استعارت من الاثنى عشرية مظاهر احتفالية غريبة على اليمنيين، مثل الضريح الفخم الذي تم تشييده لحسين الحوثي وإحياء كربلاء بما هو غير معروف في المذهب الزيدي. ولهذا الأمر علاقة بطبيعة الجماعة التي نشأت كرد فعل ضد الوهابية التي فرضت نفسها محتكراً للإسلام، وترفض التنوع المذهبي، وبالتالي، جاءت عملية إحياء المذهب الزيدي، كما يتصور، في محاولةٍ لتأكيد طابعها الشيعي المتمايز. وكانت مرجعيات زيدية تقليدية في أثناء حروب صعده قد اعتبرت الحوثية اثنى عشرية، وليسوا زيوداً، ثم سرعان ما تغير موقفهم بعد 2011، وسقوط علي عبد الله صالح، وأقرّوا بزيدية الحوثي. وهذا موقف تتضح علاقته بمحاباة القوة، غير أنه يعكس حقيقة مهمة، وهي صعوبة تعريف الطبيعة الدينية لجماعة الحوثي.

فهل يمكن افتراض الحوثي جماعة زيدية إحيائية، وامتداداً لمنتدى الشباب المؤمن، كما يفترض بعضهم؟ وفي الواقع، ليس لتلاميذ المنتدى حضور قيادي في الحركة التي تعد إحيائية، ويفترض منهجية فكرية وفقهية للجماعة، وهذا غير موجود، حيث تعتمد الجماعة في تجنيد أنصارها على ملازم خطب مؤسسها، حسين الحوثي، وهي خطب سياسية، تستعير الجملة الدينية، ولكن من دون بُعد فقهي أو فكري، بل بطريقة عاطفية، فيها قدر من السطحية، معتمدة على أفكار مثل معاداة أميركا والغرب والسعودية وحب آل البيت والمظلومية، وهي ملازم أكثر سطحية وبساطة من رسائل التوحيد للإمام محمد عبد الوهاب الذي صار مرجعية الإسلام السلفي.

أي أن حركة الحوثي لا كتب ومرجعيات فكرية لها، ولا يمكن معرفة إلى أي تيار زيدي تنتمي، مثل تيار الهادوية أو الجارودية أو الصالحية. لكن الأهم أن قائد حركة الحوثي ينقض أبسط مبادئ الزيدية في الإمامة. الزيدية تؤمن بفكرة الخروج على الحاكم الظالم والتمرد المسلح، لكن بشرط وجود إمام تتوفر فيه شروط الإمامة، وأبرزها أن يكون عالماً بأمور الدين، حسب المنطق الزيدي. ولم يعلن عبد الملك الحوثي نفسه إماماً، وهو، ببساطة، يفتقد جميع شروط الإمامة، وأبرزها العلم، ويتضح هذا من لغته العربية البسيطة، والتي تكشف بساطة معارفه، أي أن ما تفعله جماعة الحوثي مخالفة صريحة للمذهب الزيدي.

الحركة الحوثية، مثل معظم حركات الإسلام السياسي، العنيفة خصوصاً، تتعامل مع الدين بانتقائية، وكمحاولة لشرعنة عنفها، بقدر لا يخلو من تسطيح معتمدين على استدرار عواطف الناس، وإيجاد حالة خوف من خصوم وأعداء خطيرين، مثل أميركا أو القاعدة، في حالة الحوثي، لكنها تخلو كالعادة من أي مرجعية دينية تقليدية، ومن أي مرجعية سياسية، تحاول الإجابة عن تساؤلات عصرية، متعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، كما كان الدكتور المتوكل. وهذا يطرح تساؤلاً مشروعاً: إلى أين تذهب هذه الحركة، خصوصاً أن الشخصيات المعتدلة التي قد تشكل جسراً بينها وبين الآخرين تتساقط، واحداً تلو الآخر، وتخلو الساحة من كل الشخصيات التي كان في وسعها فرملة جموح جماعة الحوثي وعنفها.

 من صحيفة العربي الجديد: http://www.alaraby.co.uk/opinion/8310b280-1feb-43dc-a3ba-44e61c166d33

 

عن وطن بلا جيش

i-b-20121008-114224

من أهم المُنجزات الوطنية في أي بلد، وأكثر مؤسسة محَط الفخر والاعتزاز وتحظى دائماً باحترام الشّعوب هي مؤسسة “الجيش”. عندما تختلف القوى السياسية بمشاربها، تكون مؤسسة الجيش الوطني حلقة الوصل بل والمرجعية للجميع. للجيش رمزيّة خاصة عند الشعوب بخلاف الأمن والداخلية. فالثانية قريبة منهم وكثيرة الاحتكاك بهم، أضف إلى ذلك الانتهاكات التي تقوم بها قوات الأمن في حق المواطنين. أما الجيش فهو مُسخر لحماية الوطن من الأخطار الخارجية، ونادراً ما ينزل إلى الشارع، الأمر الذي أكسبه هيبةَ واحترام الجميع بلا استثناء.

ثمّة استثناءات تجعل من الجيش محل مقت الشعوب، وتنسفُ تلك الصورة المُشرقة والرّمزية التي يحتفظ بها. لعل إقحام الجيش في السياسة من أهم تلك الأسباب. دخول الجيش في السياسة يجعله في خط التماس مع الشعب مُباشرةً، أضف إلى ذلك دخوله في حلقة ولاءات ضيّقة لشخوص وأحزاب على السواء.

هناك أكثر من عشرين دولة بلا جيش ومع ذلك فهي آمنة تتمتع كذلك باستقلالية تامة. بعض هذه الدول لا تملك جيوشاً، بينما بعضها يملك كتائب أمنية بسيطة، لكن الجميع يعتمدون على جيوش دول أخرى في حماية بلدانهم خارجياً. لا توجد مشكلة نهائيا هنا، حيث تأخذ السياسة مجراها، وتنفذ الديمقراطية بحذافيرها وبالتالي لا وجود لمراكز قوى تسلطيّة من شأنها تعكير الأجواء السياسية.

الأنظمة الدكتاتورية تبني الجيوش وتربيها على الولاء المطلق، ليس للوطن بالطبع، بل للشخوص. لطالما تغنّى الزعماء العرب بجيوشهم الوطنية، غير أن طفرة الربيع العربي عرّت تلك الادعاءات وأثبتت زيفها. تصدّعت تلك الجيوش بين الولاء للحاكم والقوى العسكرية والقبلية وباتت تلك البلدان تقريباً بلا جيوش.

في اليمن مثلاً، حدث انشقاق كبير في الجيش إبان ثورة 2011 لصالح الثوار. بعد التسوية السياسية التي نصّت في إحدى بنودها على هيكلة الجيش، لم يتم هيكلته بقدر ما غُيرت ولاءاته لصالح فئة معينة.

هيكلة الجيش تعني بالضرورة إضعاف مراكز القوى المُهيمنة عليه، وليس تحويل تلك الهيمكنة لفصيل آخر. كان من المفترض أن يتم دمج الألوية الموالية لمراكز القوى وإذابتها في بوتقة مناطق الجيش. أضف إلى ذلك تفعيل التدوير الوظيفي خصوصاً للقيادات الكبيرة والضبّاط.

في غمضة عين، وبعد كلّ ذلك الهُراء برعايةٍ إقليميةٍ وأممية، اكتشف اليمنيون أنهم بلا جيش. أعني جيش وطني لا يدين إلا للوطن والمواطن. لم تكن تدخّلات الإقليم والمجتمع الدولي نقيّة، بل كان كلاً منهم يبحث عن موطئ قدم ومركز نفوذ مُوالي. التدخّل الخارجي كارثي ومُدمّر على خلاف ما تفائلنا به. هذه الدول تؤدي جيداً في مجتمعاتها، لكنّها تُمارس التمزيق والقُبح -وإن كان بصبغة دولية- في حق الدول المتخلفة.

على حين غفلةٍ من التاريخ، سُلمت العاصمة والمدن الأخرى للمليشيات المسلحة تحت مرأى ومسمع العالم وبتواطؤ بل وتسهيل ممن يُفترض أن نسميه جيش الوطن. خيبات الأمل والصّفعات تتوالى على هذا الشعب المكلوم، حتى الجيش الذي ظنناه آخر المُكتسبات الوطنية تساقط كحبّات العقد. بيعَ جيشُنا في سوق النخاسة، بيع للمليشيات وأُهينت بززهم العسكرية ذات الرمزية التاريخية. قصقصة ريشات قوى سابقة كانت مهيمنة على الجيش جاءت لتقوي مراكز نفوذ أخرى تدين للفوضى وتقويض الدولة أو بقايا منها.

تساقطت الألوية العسكرية خلال ساعات دونما مواجهات وسُلمت الأسلحة للمليشيا. فبدلاً من تنفيذ الاستحقاقات السياسية لمؤتمر الحوار الذي استمر قرابة العام ونزع أسلحة المليشيات، تم نزع سلاح الدولة لصالح المليشيات وبتنا بلا جيش.

دمر الرئيس هادي ووزير دفاعه جيشنا الوطني وأهانوه أيّما إهانة. دمّروا ولائهم الوطني وجعلوهم كقطعان يأتمرون لمراكز القوى الطائفية.

همسة: يبيع الجُندي شرفهُ العسكري عندما يتخلّى عن واجبه الوطني في حماية الوطن والشعب؛ بينما يبيع المواطن شرفهُ المدني عندما يحمل السلاح ويسمح لنفسه بالتحوّل إلى مليشيا.

من أهم المُنجزات الوطنية في أي بلد، وأكثر مؤسسة محَط الفخر والاعتزاز وتحظى دائماً باحترام الشّعوب هي مؤسسة “الجيش”. عندما تختلف القوى السياسية بمشاربها، تكون مؤسسة الجيش الوطني حلقة الوصل بل والمرجعية للجميع. للجيش رمزيّة خاصة عند الشعوب بخلاف الأمن والداخلية. فالثانية قريبة منهم وكثيرة الاحتكاك بهم، أضف إلى ذلك الانتهاكات التي تقوم بها قوات الأمن في حق المواطنين. أما الجيش فهو مُسخر لحماية الوطن من الأخطار الخارجية، ونادراً ما ينزل إلى الشارع، الأمر الذي أكسبه هيبةَ واحترام الجميع بلا استثناء.

ثمّة استثناءات تجعل من الجيش محل مقت الشعوب، وتنسفُ تلك الصورة المُشرقة والرّمزية التي يحتفظ بها. لعل إقحام الجيش في السياسة من أهم تلك الأسباب. دخول الجيش في السياسة يجعله في خط التماس مع الشعب مُباشرةً، أضف إلى ذلك دخوله في حلقة ولاءات ضيّقة لشخوص وأحزاب على السواء.

هناك أكثر من عشرين دولة بلا جيش ومع ذلك فهي آمنة تتمتع كذلك باستقلالية تامة. بعض هذه الدول لا تملك جيوشاً، بينما بعضها يملك كتائب أمنية بسيطة، لكن الجميع يعتمدون على جيوش دول أخرى في حماية بلدانهم خارجياً. لا توجد مشكلة نهائيا هنا، حيث تأخذ السياسة مجراها، وتنفذ الديمقراطية بحذافيرها وبالتالي لا وجود لمراكز قوى تسلطيّة من شأنها تعكير الأجواء السياسية.

الأنظمة الدكتاتورية تبني الجيوش وتربيها على الولاء المطلق، ليس للوطن بالطبع، بل للشخوص. لطالما تغنّى الزعماء العرب بجيوشهم الوطنية، غير أن طفرة الربيع العربي عرّت تلك الادعاءات وأثبتت زيفها. تصدّعت تلك الجيوش بين الولاء للحاكم والقوى العسكرية والقبلية وباتت تلك البلدان تقريباً بلا جيوش.

في اليمن مثلاً، حدث انشقاق كبير في الجيش إبان ثورة 2011 لصالح الثوار. بعد التسوية السياسية التي نصّت في إحدى بنودها على هيكلة الجيش، لم يتم هيكلته بقدر ما غُيرت ولاءاته لصالح فئة معينة.

هيكلة الجيش تعني بالضرورة إضعاف مراكز القوى المُهيمنة عليه، وليس تحويل تلك الهيمكنة لفصيل آخر. كان من المفترض أن يتم دمج الألوية الموالية لمراكز القوى وإذابتها في بوتقة مناطق الجيش. أضف إلى ذلك تفعيل التدوير الوظيفي خصوصاً للقيادات الكبيرة والضبّاط.

في غمضة عين، وبعد كلّ ذلك الهُراء برعايةٍ إقليميةٍ وأممية، اكتشف اليمنيون أنهم بلا جيش. أعني جيش وطني لا يدين إلا للوطن والمواطن. لم تكن تدخّلات الإقليم والمجتمع الدولي نقيّة، بل كان كلاً منهم يبحث عن موطئ قدم ومركز نفوذ مُوالي. التدخّل الخارجي كارثي ومُدمّر على خلاف ما تفائلنا به. هذه الدول تؤدي جيداً في مجتمعاتها، لكنّها تُمارس التمزيق والقُبح -وإن كان بصبغة دولية- في حق الدول المتخلفة.

على حين غفلةٍ من التاريخ، سُلمت العاصمة والمدن الأخرى للمليشيات المسلحة تحت مرأى ومسمع العالم وبتواطؤ بل وتسهيل ممن يُفترض أن نسميه جيش الوطن. خيبات الأمل والصّفعات تتوالى على هذا الشعب المكلوم، حتى الجيش الذي ظنناه آخر المُكتسبات الوطنية تساقط كحبّات العقد. بيعَ جيشُنا في سوق النخاسة، بيع للمليشيات وأُهينت بززهم العسكرية ذات الرمزية التاريخية. قصقصة ريشات قوى سابقة كانت مهيمنة على الجيش جاءت لتقوي مراكز نفوذ أخرى تدين للفوضى وتقويض الدولة أو بقايا منها.

تساقطت الألوية العسكرية خلال ساعات دونما مواجهات وسُلمت الأسلحة للمليشيا. فبدلاً من تنفيذ الاستحقاقات السياسية لمؤتمر الحوار الذي استمر قرابة العام ونزع أسلحة المليشيات، تم نزع سلاح الدولة لصالح المليشيات وبتنا بلا جيش.

دمر الرئيس هادي ووزير دفاعه جيشنا الوطني وأهانوه أيّما إهانة. دمّروا ولائهم الوطني وجعلوهم كقطعان يأتمرون لمراكز القوى الطائفية.

همسة: يبيع الجُندي شرفهُ العسكري عندما يتخلّى عن واجبه الوطني في حماية الوطن والشعب؛ بينما يبيع المواطن شرفهُ المدني عندما يحمل السلاح ويسمح لنفسه بالتحوّل إلى مليشيا.