أرشيفات الوسوم: وطن

عن تعز أيقونة السلم!!

ما جرى يوم أمس الأول في تعز هو اكتمال لنصاب الاستفتاء الشعبي. يخرجُ الحالمون بالمدنية والسلم كل يوم كدفقٍ جرار من الأروح النقية المُمتلئة بالوطنية والانتماء. ينزلون إلى الشوارع دونما كللٍ أو ملل، وبصوتٍ واحد

“ﺍﻫﺘﻔﻮﺍ ﻟﻠﺸﻌﺐ ﺇﻥ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﺟﻴﺶ ﻻ ﻳُﺬَﻝُّ
ﻭﻗﻔﻮﺍ ﻟﻠﺸﻌﺐ ﺇﻥ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﺃﻭﻟﻰ ﻣﻦ ﻳُﺠَﻞّ”

تعز

*تصوير محمد الحسني 24/01/2015 مسيرة لأبناء تعز

يوم أمس الأول خرج (شُقاة) السيد بهيئة مُقززة وتبعثُ على القرف، يحملون بنادقهم المهترئة. لم يعكسوا منظر السلم الذي تتمتع به تعز، بل عزّزوا الهنجمة والعنجهية المُستقوية بالسلاح، والمفتقدة للمشروع الوطني.

بغض النظر عن عدد المتظاهرين، لكنهم ليسوا كثيرين بالنظر إلى حجم المعطيات، والإعداد للمسيرة الذي لا يخلوا من الترغيب والإغراء كثقافة قديمة ترتكز على الفيد والمصالح الخاصة جداً. يجب ألا ننسى أن تلك الإمكانات تعود لدولة، إمكانات كانت لتُجدي لو لم تكن في تعز.

مسلحون

*تصوير فهد العميري من مسيرة للحوثيين في تعز 29/01/2015

من خلال مجرد النظر في ملامح الحشد، دونما تدقيق، تتضح هويات نسبة كبيرة منهم كوافدين إلى المدينة وليسوا منها. من كان يُدير الهتافات شخص غيرر مؤلوف، أتيَ به لينفذ القائمة التي جاء بها من المركز المُقدس. لم يأتمنوا قوادي تعز حتى على إدارة هتافات المسيرة. كيف لهؤلاء أن يفهموا أنهم ليسوا سوى وقود لمطامع لا تمت إلى الوطن بصلة.

وعدوا بعض من المحسوبين على المثقفين بمناصب في حال تم لهم ما يُريدون، بينما وعدوا البسطاء بوظائف حكومية، بعد تجفيف منابع الفساد طبعاً. تجييش وصل إلى القُرى باستخدام مشائخ (صالح)، وبدلات مُجزية جيّرت المطاعم الفاخرة للمدينة لضيوفهم.

ومع ذلك، قليلون في تعز من ينجرّون إلى هذه المزالق الضيقة، كونها مُعيبة في حق المواطن التعزي. باستثناء بعض الأُسر التي تدّعي نسبها لبيت النبوة، والساكنة قمم الجبال الشاهقة، ومدى تأثير ذلك على التركيبة السيكولوجية وما يُولده من شعورٍ بالنقص.

على أية حال، أراد القوادون، بمسيرتهم المُبهمة، إيصال رسالة ما، فأوصلت تعز لهم تلك الرسالة. تعز ليست العاصمة أو أي مدينة أخرى بأي حالٍ من الأحوال. تعز فريدة جغرافياً واجتماعياً وثقافياً، وكل ما لم يخطر ببالكم؛ لكنها مضيافة ومتعايشة ومتنوعة.

إن المزاج التعزي العام يقدّس السلم وينشُد السلام والحب، وإن أي مساعٍ لحرف هذا المزاج سيحتقره أبناؤها، وسيتبرّؤون منه. لأن محاولة تكريس ثقافة العنف يعني ببساطة إدخال المدينة في دوامة من الصراعات العبثية على أساس الهويات الرجعية، لتلحق بركب المدن المتهاوية تحت حكم المليشيات الطائفية.

الطائفية الجديدة برعاية أممية

لا أحبّذ لفظ هاتين المُفردتين “سنة” و “شيعة” لكن على الأقل هذا ما يجري تجسيده على المنطقة العربية. عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر المشؤومة، تحدّث الرئيس الأمريكي “جورج بوش” بلُغة غاضبة تحمل تهديداً مفاده أن “حرباً صليبية” ستُشن على 60 دولة رداً على هذه الأحداث. فيما بعد اعتذر بوش عن الخطاب، لكنّه نفذّه بحذافيره.

     ايران-وامريكا        

هذا التصريح، لنُسمه زلّة لسان إن جاز التعبير، يوحي بما لا يدع مجالاً للشك بأن تلك الأحداث كانت مرسومةً بعناية ولأهداف مُعينة، ربما تكون تلك التي صرح بها الرئيس. يُذكر أن تلك الأحداث غيّرت السياسة الخارجية الأمريكية بدرجة كبيرة، كما غيّرت طريقة تعاطيها مع العالم، الشرق الأوسط تحديداً. عند تفكيك الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، قال دبلوماسي أمريكي: “الهدف التالي المنطقة العربية.”

 

في فيلم وثائقي عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، يشِي دبلوماسيون وضبّاط أمريكيون رفيعون عن عِلم السلطات بكل ما جرى، لكنهم غضّوا الطرف عن الأمر. ربما أُوكلت تلك العملية للمُوساد الإسرائيلي، خصوصاً إذا علمنا أن مُعظم الإسرائيليين العاملين في “مركز التجارة العالمي” تغيّبوا عن العمل في ذلك اليوم.

 

عموماً، ليس هذا محور الحديث. في عام 2003 شنّت الولايات المتحدة حربا شاملة على العراق. كانت الذريعة الأولية وجود أسلحة نووية لدى النظام العراقي، وهذا ما نفاه كولن باول- وزير الخارجية آنذاك-  في مذكراته مؤخرا. حيث يقول إن أمريكا كانت تعلم أن لا وجود لتلك الأسلحة في العراق وحسب مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إذن فالأهداف من الغزو أخرى تماما. هل يكون النفط؟ ربما كان أحد الأهداف؛ لكن ثمة أهداف أخرى.

541bc3a5b3044

 فور وصول القُوات الأمريكية إلى العراق، بدأت بتفكيك الجيش نهائيا، فيما قامت بدعم مليشيات طائفية من “الشيعة” تحديدا. بالتأكيد ليسوا شيعة العراق، بل شيعة إيران الذين دخلوا إلى العراق وأحرقوا دفاتر السجلات المدنية ليتم تدوينهم فيما بعد كعراقيين. غياب الجيش يعني بالضرورة فراغا أمنيات وبالتالي حاضنةً للجماعات المُسلحة. ما تشهدُه بعض الدول العربية اليوم مردّه لغياب الدولة؛ الجيش والأمن تحديداً.

 بالعودة إلى العراق، الشيعة العراقيون متعايشون مع السنة، ولم تُسجل أية تصفيات بينهم من قبل على أسُس طائفية، رغم أن الشيعة كانوا أقلية كالمسيحيين مثلا. في مداخلة تلفزيونية، تحدث أخ “منتظر الزيدي” المشهور بقذفه الرئيس أوباما بالحذاء، والمنتمي للطائفة الشيعية، يقول إن من يتحدث عن التعايش يتم تصفيته، بما فيهم أبناء الطائفة الشيعية. وأضاف إن تصفية عرقية وإعدامات ينفذها إيرانيون بحق أشخاص ينتمون للطائفة السنية، فيما يجري تحييد للمدن لصالحهم عبر تصفيتها. وأردف قائلا: “كل من يخالفهم مصيره الإعدام حتى نحن، وأخاف بعد هذه المداخلة أن يتم تصفيتي، ولكن لا أبالي.”

بمعنى آخر، ثمة تمكين لإيران تمارسه أمريكا عبر تقوية الطائفة الشيعية- الأقليات- ولكن على الطريقة الإيرانية التوسعيّة. من المستحيل أن يمارس هذا الدور شيعة العراق الذين باتوا الأنساب والأصهار مع السنة، يسجلون أجمل معاني التعايش. في لبنان، يمارس حزب الله ذات النهج التوسعي، وذات الممانعة المفضوحة. عندما تستمع إلى مداخلات الأمين العام السابق لحزب الله التلفزيونية تتعرف على حزب الله المقاوم. أما ما يمارسه حسن نصر الله هو امتداد إيراني لا يمُت للمقاومة بصلة، تماماً كممانعة إيران.

 في اليمن كذلك، لم يكن اليمنيون ليتذكروا هاتين المفردتين. لطالما تعايش “الزيود” مع السنة الشوافع، ولم تسجل أية خلافات على أسس طائفية. التشيّع المدفوع بنسخته الإيرانية هو ما يمارسه الحوثيون الآن، وما أعد له منذ زمن. إذن هي عملية توسعية بدعم غربي على حساب الطائفة السنية. فبدلا من أن يكون الشيعة أقلية، سيصيرون أكثرية بينما يتحول السنة إلى أقليات ملاحقة. الفارق الوحيد بين الصورتين، في الأولى ساد التعايش، أما في الثانية ستكون الملاحقة والتنكيل الصفة السائدة، أو على الأقل هذا ما نشاهده.

 سؤال مهم يطرح نفسه: لماذا يفعل الغرب ذلك؟ لن أتحدث عن نظرية المؤامرة، لكن على الأقل هذا ما قاله جورج بوش الابن؛ إنها حرب صليبية.

 في الحروب الصليبية الشهيرة على المنطقة العربية، لم يسجل أي ردة فعل مقاومة للمناطق الشيعية ضد الحملات الصليبية. كانت المقاومة عربية سنية بامتياز. تريد الولايات المتحدة إضعاف السنة لصالح الشيعة لعدة أسباب. الأول لأنهم لا يتبنون المقاومة، والثاني والمهم لإحداث توازن بشري بين الطائفتين تجهيزا لحروب اجتثاثية طويلة الأمد لا تقوم بعدها للعرب قائمة. هذا النوع من الاحتراب الطائفي مارسه الغرب كثيرا، وكانت النتائج هائلة. هذا ما تحاول أمريكا فرضه بعناية لتفتيت إحدى أكبر المناطق تجانسا جغرافيا- في حال اتحدت- بالإمكان أن تشكل خطرا حقيقيا على وجودها كأقوى كيان على الأرض. مساحة شاسعة تجمعها لغة واحدة ودين واحد على الأرجح، وكم بشري هائل، لن تكون قوة يستهان بها.

 للأسف، تسير خطط الولايات المتحدة كما رسم لها، وبوجود مرونة كبيرة في التعامل مع المتغيرات السريعة على الأرض. بعد أحداث ما سمي بالربيع العربي والتي فاجأت الولايات المتحدة كغيرها، تم التعامل مع الأحداث والتي ربما مهدت الطريق للمخطط الأمريكي.

 كباقي البلدان، انتفض العراقيون، خصوصا العشائر السنية المقصيّة من الوظائف العامة والمحاطة بقانون مكافحة الإرهاب الذي نكل بهم. في هذه النقطة كذلك تم التعامل معها بحرفية عالية. فقد تحول المتظاهرون السلميون إلى تنظيم القاعدة تمهيداً لضربهم. فالجيش العراقي مقتصر على الطائفة الشيعية، وقد بدأ فعلا باقتحام المحافظات الستة.

 أبدى مسلحو العشائر مقاومة شرسة، لكن المُخابرات وتداعيات الحرب السياسية في سوريا غيرت المشهد. فقد قام تنظيم القاعدة السياسي الذي يقاتل في سوريا بإعلان جيش العراق والشام.

 حالياً، يجري تجريف الهوية العربية في لبنان ومروراً بالعراق ومن ثم اليمن. تبدأ هذه العملية بالمُمانعة المزيفة والعداء للغرب، في حين هي على الأرجح خطط مدروسة بعناية، أهدافُها باديةً للعيان.

موسيقى الشعر

مطلع الأسبوع حضرتُ صباحيةً شعرية لكوكبةٍ من الشعراء الشبان على ضفاف مُنتدى السعيد الثقافي. بالإضافة إلى الشعراء اليانعين، حضر كذلك العملاق “محمد نعمان الحكيمي”، الباهوت المُتصوّف الأنيق. استمتعت كثيراً بتغنيهم بالوطن والحب والجمال.

113189_14_1385637030

كان الحكيمي الأكثر نضجاً وخبرة؛ عزف سيمفونياته ببراعة ودونما تلكّؤ. أتقن اللغة بحركاتها حتى أضفى جمالاً آخر لأشعاره العميقة، حتى تمنينا لو أنه لم يسكُت.

بالرّغم أن القريحة الشعرية- الشاعرية والإحساس الغير اعتيادي- تُعد العنصر الأهم في النص الشعري،إلا أن تواشُج النص مع موسيقى الشّكل اللُغوي ذو أهمية قصوى كذلك. ومع هذا غياب بقية العناصر لا يُلغي الشاعرية ولا الشعراء، غير أن تكامل العناصر يصنعُ معزوفة موسيقية غاية في الجمال.

بالمُقابل غياب عُنصر الشاعرية من الشعر يجعلُه نظماً فاقداً للإحساس، وسرداً لُغوياً كغيره من النثر المُقفّى. “أن تُشرق الشمس” فهذا أمرٌ طبيعي؛ أما أن “يُشرقَ وجهُ الحبيب” مثلاً، فهنا تكمن الشاعرية وتتجسّد البلاغة بكل إعجازاتها.

يكمن صُلب الموضوع في جزالة اللغة العربية وأهميتها في النص الشعري. إهمال اللغة العربية عبر العصور من قبل مُتحدثيها الأصليين جعلنا نتحدّثها بلهجات دارجة، حتى النصوص الشعرية التي لا تكتمل إلا بإتقان لغة النص. تشكيلُ نهاية الكلِم في الشعر يصنعُ موسيقى داخلية راقية تظهرُ الشعر بكل جماله. بالمقابل ضُعف اللغة في قراءة الشعر لا يُفقده نصف جماله وحسب؛ بل إن ضعف اللغة يشردك عن النص ويصبح بلا قيمة. لا شيء يُعيبُ الشعر بقدر تكسير قواعد اللغة.

كان الشباب رئعين، استمتعنا كثيراً بشاعريّتهم وإحساسهم الجميل الذي يحملونه لهذا الوطن. في كل مجالات الشعر أثبتوا ذواتهم، رغم صغر سنّهم وخبرتهم الضئيلة. أتمنى عليهم وعلى كل من مُنح هذه الموهبة أن يُتقن اللغة العربية لكي يصير شاعراً مُكتملاً. هذه لُغتُنا التي أتقنها آباؤنا الأولون، وأنزلَ بها القرآن الكريم بلغتهم.

بالمجمل، استمتعنا كثيراً بصُحبة الرفاق؛ أتمنى لهم المزيد من التألق والنجومية لما يحملوه من جمال في أرواحهم، وقيماً وطنية فذّة.. شكراً لكم لأنكم أطربتم مسامعنا!!

تعز.. أيقونة التعايُش!

في تعز المـــرور يقـــوم بعمــله على أكمـل وجــه..
في تعز تنتشر نقاط النجدة على امتداد الشوارع الرئيسية..
في تعز نقــاطُ الجيـش تحـوّط المـدينــة من جميــع مـداخلــها..
في تعز معنا مُحافظ الحاصل وتسعة وكلاء وأمين عام كيف ما كانوا..
في تعز تجري الحياة بشكلها الطبيعي برغم الاغتيالات السياسية المفتعلة..
في تعز تكتض الأســواق بالمارة والمتسـوقين وبالباعـة المتجـولين..

Taizz, in the middle the Cair fortress

في تعز تفوحُ رائحة المشاقر والكاذي من سُطوح المنازل العتيقة، ومن خدود الغواني في الأودية وفي الأسواق الشعبية..
في تعز تكتضّ باصاتُ الفرزات الداخلية بالركاب والمتسوقين وأصحاب المصالح والمعاملات..
في تعز تفيض الحدائق والمتنزهات بالعوائل والمتفسحين..

تعز ليست بحاجة للجان شعبية من فصيل طائفي أثبت فشله السياسي في غير مدن، فيما حظي بسجل حقوقي هو الأسوأ على الإطلاق. تعز ليست بحاجة إلى دخول مليشيات لتُنتج مليشيات مُضادة؛ تعز ليست بحاجة لتدمير أكثر من ما هي عليه.

تعز مدينةُ التنوع والتعايش الفريدة من نوعها. إنها ليست تلك الأرضية الخصبة للتجاذبات، وليست ساحةً للصراع. إنها أرضية للحياة، ساحةٌ للتفاهم والحوار.

ظهور من يطالبون بإحلال لجان شعبية مؤخراً بدلاً من مؤسسات الدولة يمكن القول عنهم “مُرتزقة”. يبحثون عن وظائف لا تُسمن ولا تغني من جوع، مقابل مدينتهم. يبيعونها للتدمير الطائفي مقابل دمجهم في الجيش. كيف يُفكر هؤلاء يا ترى؟ حتى المجلس العسكري الذي شُكّل أوكلت رآستُه للمركز المقدس. وكأن انتمائهم للهاشميين الجُدد من الدرجة الثانية. تفرقة عنصرية تُكرس ثقافة مُندثرة؛ ثقافة السادة والعبيد. بل أن السادة أنفسهم ينقسمون إلى طبقات متفاوتة.

أين كان يختبئ هذا الخبث طيلة هذه السنوات؟ ومالذي جعله يندثر بهذه الطريقة المقرفة فجأة؟

بغض النظر عن رداءة الأداء الحكومي، لكنّها من رَوح الدولة. دولةٌ رخوة خير من مليشيا طائفية وصلت إلى السلطة بواسطة السلاح وترفض أن تكون دولة. الدولة مسئولية، وأي قصور في الأداء يعودُ عليها بالضرورة.

الحوثيون يُريدون أن يكونوا سُلطةً أقوى من الدولة؛ تفعلُ ما تريد ولا تدخل تحت طائلة المُسائلة. تُعطل مؤسسات الدولة لتتهمها بالفشل ومن ثم تستبيحها بطريقة بدائية انتقامية. الذّهنية الانتقامية لا تصنع دولة؛ والمشحونون بفكرة أحقية العيش دون الآخرين لا يصنعون تعايشاً بين أفراد الوطن المُتنوع.

والسؤال الملح بقوة: هل يرضى أبناءُ تعز بتدمير مدينتهم الجميلة مقابل أن يكونوا قفّازاتٍ بيد جماعة لا علاقة لها بالمُقدسات الدينية وترتهنُ على نحوٍ مُريب للخارج؟!

ولادةُ المَد

في خضم الرّكود الثّوري الذي يعيشهُ الشارع اليمني بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد، وُلد المدّ من رحم الشارع. “مواطن من أجل دولة”، هذا هو اسم حركة المد.

مد1

جرَت العادة أن تكونَ الدولة من أجل المواطن، لكن عندما توجد هي في البداية. الدولة غائبة، أو بالأحرى اكتشفنا فجأةً أننا بلا دولة. في الحقيقة، لم تكن الدولة موجودةٌ من قبل، لكن هذه الحقيقة بدت جلية بعد تصاعد العنف وارتفاع صوت المليشيات المُسلحة لتسيطر على الطابع العام.

في البداية، لا بد من إيجاد الدولة. من الذي سيأتي بالدولة؟ المواطن، أنا وأنت وهو وهم بالتأكيد. الدولة السّوية تحتظنُ المواطن وتهتمُ لأمره؛ لكن في غيابها وحده المواطن من يستطيع إثباتها في عملية تبادل أدوار.

في ظل الاحتقان الحِزبي والطائفي الذي يدفعُ بالأوضاع حتماً إلى السقوط في فخ الاحتراب الداخلي، كان لا بدّ من عمل مُضاد لهذه الحالة السائدة. الحاجة للتعايُش ونبذ الاحتراب على أساس الفئة والطائفة والجغرافيا هي غاية سامية لهذه الحركة. الاحتراب مُدمر، ولا يوجد فيه طرفٌ منتصر وآخرُ خاسر. الخاسر الوحيد هو الوطن.

بعد الأحداث الأخيرة وفرض واقع جديد، أصيب الشّارع بالركود، وتضائل الفعل الثوري الذي كان أحد المكتسبات الضئيلة لثورة فبراير. الفعل الثوري الاحتجاجي بدأ في 11 فبراير، ودّع فيه الشارعُ اليمني الخوف والاستكانة للقمع والإقصاء. عادت حركة مد لتنشيط الفعل الثوري وكسر حالة الجُمود والذّهول الذي يحاولُ الوضع القائم فرضُه عنوة.

بالمقابل، استياء الأوضاع بعد الثورة وتنامي العنف والمليشيات المسلحة دفعت بالبعض لتحميل الثورة وصول الوضع إلى هذا الحد. بمعنى آخر، الأخطاء الهائلة التي رافقت الفعل الثوري في الميادين، والأداء السياسي للأحزاب القائمة في التعامل مع الوضع أدّت إلى خلق هالة مقت شديدة للثورة.

إذن، لن يخرج الشارع إلا بفكر بديل. الوضع مُزرٍ وأعمال العنف تتنامى، بينما تتساقط المُدن في قبضة المليشيات المُسلحة. “لا تقف صامتاً؛ افعل شيئاً” كانت هذه إحدى شعارات حركة مد. إنها دعوة للخروج السلمي رفضاً للعنف والمليشوية والاحتراب. إنها دعوةٌ للتعايش؛ دعوةٌ للحياة. ” صمتك يغتال أمنك.. أنا وأنت” كُلنا هدفٌ لأعمال العنف.

مد

من تعز بدأ المد، ولن يتوقّف إلا بتوقّف العنف والتجييش للاقتتال الطائفي والفئوي. “مد” حركة احتجاج شعبية سلمية ليست موجّهة ضد أحد؛ هي ضد الاحتراب الأهلي وحسب. سيتوغّل المد إلى كلّ شارع، إلى كل حارة ومنزل للتوعية حول التعايُش والسلام. لا بد من صناعة جيلٍ مدني واعٍ مُتعايش، عليه نُعلّق آمالنا العريضة للنجاة.
حتماً سننجو!!

وجع التشبث

سكب جميل للصحفي اليمني: غمدان اليوسفي يسردُ المعاناة التي يعيشُها اليمنيون.. مقال جميل يستحق القراءة

179531_10151711229931988_1469478046_n

من قال إن على اليمني أن يظل متألما جراء هذا التشبث المر بالحياة!.
من الذي حكم على آماله بالأعمال الشاقة المؤبدة! 
هل على اليمني فقط أن يظل مطاردا في حدود الجيران، وفي الجبال وتحت مخيمات اللجوء.
من الذي أورثنا كل هذا النزوح بين الواقع والروح، بين الأرض والنبض، بين جحيم الرصاص والانتظارات.
كل شيء يتضاءل، إلا مساحة المخيمات.. ومساحة الأمل.
تتمدد المنافي في أرواحنا، وتنكمش الأرض علينا، لتقترب المسافة بين رصاصة وجسد.. بين قبلة خروج وعودة.
انتظاراتنا جاءت بكل شيء، إلا ما انتظرناه، جاء الحالمون بغنيمة، وتوارى الحالمون بوطن يلملم الشتات البشري والروحي..
جاء رواة الدم، واختفى رواة الحلم.
يتمدد صناع المنافي في شرايين أحلامنا، لتذوي الرصاصات فينا، وتحفر قبور انتصارها على حبنا لهذا التراب، غير أنها تدفننا فيه قبل أن نفكر في أن نجعل منه طوبة بناء.
نحاول لملمة الشتات بين مانريده ومايريده البارود، فتشعل أيادي القبح الفتيل ليحرق بعض الذي تبقى من ميراث حكمة وصفنا بها ذات يوم.
أيها القاطنون في مسامات شغفنا بالحياة، دعوا لنا ما تبقى حتى من الهزائم لنربيها على انتظار فتات الحلم بالعودة.. دعوا لنا ما تبقى من الخيبات لنسرح جدائل أمنياتها علها تفتن الأمل ذات يوم ويعود.
أيها المتشبثون بدمنا، دعوا لنا شيئا من الدمع عله يوقظ في أرواحنا نداء الموت في سبيل الحياة.. دعوا لأمهاتنا شيئا من لغة التوسل للسماء بأن يعود هذا الوطن لأهله.. امنحوا أطفالنا حتى حق البكاء على ماض سرقتم حاضره لأنكم لا تحبون مستقبلهم.
أيها المتباكون على أرواحنا، سئمنا لغتكم، وتعفنت صوركم في مدامعنا، لأنكم أبكيتمونا دما، وأذقتمونا طعم الغربة في أوطاننا، وبددتم أمل الكرامة أن تعود لمن يحتملون أنين الوطن في أوطان الغير.
تلعنكم دموع أولئك الذين يبكون في المنافي والمهاجر كلما أهانتهم يد الغريب، تلعنكم أحذية العاطلين في الأزقة، تلعنكم هذه الأرض كلما نطقتم أو صمتتم.. يكفيكم ماشربتكم من عرقنا، وما أسقيتم من دمنا تراب هذه الخرابة..
يكفيكم صبرنا عليكم.
أليس في عيونكم ولو شيئا من الدمع.. ابكوا ولو قليلا لاستعادة بعض إنسانكم الذي نسيتموه في محاجرنا نحن.. وعشتم بلا ألم.
ابكوا علكم تجدون شيئا من الآمنا، علكم تجدون ريح الوطن الذي نفتقده.

المقال من صفحة الكاتب الشخصية على فيسبوك : https://www.facebook.com/alyosifi

حزب المؤتمر ما بعد د. الإرياني!

في إحدى (قفشاته)، وصل (عارف الزوكا) مع مرافقيه لاجتياز إحدى النقاط التابعة للجيش في شبوة. كان ذلك قبل سنوات عندما كان عضواً للجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام. أوقفه أفراد النقطة للتفتيش فرفض، بل وعمّر مسلحوه أسلحتهم الآلية تجاه أفراد الجيش الذين ردّوا بالمثل واحتدم التوتّر.

تدخّل أحدهم بالاتصال إلى قيادة اللواء العسكري والمُتمثلة بـ “سنهوب” ذلك الكهل الشّرس والانسان في ذات الوقت. مُقاتل مغوار، لكنه يحترم الآخرين، يدعمُ التعليم. أخبرني أحد منسبي اللواء القُدامى أن أي فرد يريد إكمال دراسته الجامعية، يمنحه اللواء التفرغ الكامل ويدعمه بكل ما أوتي من امكانيات. هذا الرجل كان مدعواً ضمن طائرة (أحمد فرج) التي راحت بمن فيها، غير أن مشيئة الله وتخلفه بسبب المرض ذلك اليوم المشؤوم أبعدوه عن تلك الكارثة المُدبرة على الأرجح.

بالعودة إلى الزوكا المُمتلئ بـ (الهنجمة) و(النخيط) الفارغيْن. اتصل أحدُهم بالقائد سنهوب الذي أمر أفراد النقطة بالسماح له بالعبور مع مسلحيه تفادياً للمواجهة والخسائر المُفترضة. في المساء، فتح مُسلحو الشيخ المُؤتمري النّار على منزل سنهوب بكثافة لإيصال رسالة.

في اليوم التّالي الذي صادف يوم الجُمعة، صلّى سنهوب الجمعة في الجامع وأخبر الأهالي عما حصل. أخبرهم أن الزوكا سيتسبب بأعمال عنف ومواجهات غير محمودة في المدينة إن هو استمر في مقامرته، ولهذا لزم عليكم إخباره بإعادة حساباته والأخذ بعين الاعتبار ما سيُلده غروره وتهرّبه من القانون.

بعد أشهر جاء القرار بإبعاد سنهوب من اللواء لينتقل إلى منطقة أخرى، في حين كوفئ الزوكا ليكون محافظاً لمحافظة مأرب القريبة لقاء ما قام به من خروق للقانون.

saleh1-20120424-205010

مؤخراً تخلّص الحزب العائلي والفئوي (المؤتمر الشعبي العام) حزب الرئيس السابق، تخلّص من الرئيس هادي والدكتور عبد الكريم الإرياني، السياسي المخضرم والداهية المشهور. من هما البديلان لهادي والإرياني يا تُرى، إنهما (عارف الزوكا، وأحمد عبيد بن دغر). وبهذا القرار يكون المؤتمر قد خسر آخر رجالاته النزيهين والدُهاة ليتحول إلى حزب فئوي للانتهازيين من المُتردية والنطيحة وما أكل السبع.

هذا هو المؤتمر الشعبي العام باختصار شديد.

رواندا الجريحة كأنموذجٍ للنهوض

ما تُذكر “رواندا” إلا وذُكرت معها أبشعُ عملية إبادة جماعية عرفها التاريخ. عُرف وطن “الألف تل” بمناخه الجميل وتضاريسه الاستثنائية رغم وقوعه على خط الاستواء وذلك بسبب تضاريسه الجبلية المرتفعة، ولهذا عُرفت رواندا بهذا الاسم. هذه الميزات جعلتها عُرضةً لأطماع الدول العظمى؛ حصلت على استقلالها عن بلجيكا سنة 1962م.

1085838

صورة من موقع تغاريد

وقعت رواندا- كغيرها من البلدان التي كانت تحت الانتداب الأجنبي- وقعت ضحية التدخّل الخارجي حتى بعد نيلها الاستقلال. تنتهجُ بعض الدول العظمى سياسة الاستقطاب وتقوية بعض الفئات على حساب الأخرى، خصوصاً الأقليات. وهذا ما حدث في رواندا تحديداً.

في رواندا، كانت هناك قبيلتان عريقتان “الهوتو” و”التوتسي”. كان الهوتو- المزارعون- يمثلون أغلبية السّكان، بينما يُمثل التوتسي- تجّار المواشي- الأقلية في البلاد. كانت القبيلتان تعيشان بسلام قبل أن تدخل التفرقة العنصرية بين القبيلتين والتي ولّدت سلسلة من أعمال العُنف أفضت في النهاية إلى أفضع إبادة جماعية في التاريخ.

عمدَت “بلجيكا” على دعم بعض فئات أقلية التوتسي على حساب الهوتو، الأمر الذي دفع بالتوتسي لارتكاب فضائع عنصرية استعلائية ضد الهوتو. بعد سلسلة من الحروب بين القبيلتين، والاستقواء أحياناً بدول الجوار، عادت بلجيكا لتُحريض الهوتو للانتقام ليقوموا بدورهم بعملية إبادة جماعية عنصرية ضد التوتسي لم تندمل آثارها إلى اليوم.

فبحسب إحصاءات الأمم المتحدة، تعرّض زهاء 800 ألف شخص للذبح، فيما تعرضت مئات الآلاف من النساء للاغتصاب. في تلك الغضون، لم تحرك بلجيكا ساكناً ولم تتعرض حتى إعلامياً على المجزرة، لكنّها بالمقابل عادت لتدعم جماعات متمردة من التوتسي وأوصلتهم إلى سُدة الحكم ليُمارسوا الثأر كدوامةٍ مُتواصلة من العنف لا تنتهي.

400px-Rwandan_Genocide_Murambi_skulls

 

جماجم وهياكل عظميه لضحايا الأبادة الجماعية تم تصويرها في مدرسة عام 2001(ويكيبيديا)

عموماً ليس التدخّل الخارجي يُشابه بعضه، لكن أغلبه مُدمر وكارثي. بالمُقابل ليست الدول المُستعمرة متشابهة، فبعضُها حقق الكثير لمستعمراتها السابقة.

بالعودة إلى رواندا الجريحة، وبرغم الآثار النفسية التي تمر بها والصعوبة التي يواجهها الروانديون في تحقيق التعايُش المطلوب بعد سلسلة العنف والكراهية، حقّقت رواندا نجاحاتٍ اقتصادية وديمقراطية هائلة. تُعتبر رواندا الآن من أكثر الدول نمواً، حيث تضاعف متوسط الدخل أكثر من ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة حسب سي إن إن. بالفعل بدأ البلد مُنذ ذلك الحين بالتعافي، وتوصف حكومتها كواحدةٍ من أكثر الحُكومات كفاءةً ونزاهة في أفريقيا. وقد حضيَت رواندا في 2008 بأول مجلس تشريعي منتخب أغلبيته من النساء.

يُعد مناخ رواندا من الطراز الاستوائي. تتمتع بهضاب مرتفعة مكسوة بالعشب كمزيج استوائي معتدل جعلها قبلة للسياحة العالمية. لذا فهي تعتمد على السياحة كأحد الموارد الاقتصادية للحكومة.

الاستسلام للموت يقتلك مراتٍ كثيرة، بالمُقابل الإصرار على الحياة يهبك الحياة بكل جمالها. هكذا فعل الروانديون، أقبلوا على الحياة فأقبلَت إليهم مُرددةً سيمفونيات الخلود وأغاني الحب الأزلية.

اغتيال المتوكل وأزمة “الزيدية”

الكاتبة اليمنية ميساء شجاع الدين تستحضر سلسلة الاغتيالات السياسية التي حدثت نهاية القرن الماضي والأزمات التي سببتها. اغتيال الدكتور محمد عبد الملك المتوكل وتوظيفه السياسي. اقرأوا المقال كاملاً:
اغتيال المتوكل وأزمة “الزيدية”
349
*الصورة لتشييع جنازة الشهيد (صحيفة العربي الجديد)
ليس اغتيال الدكتور محمد عبد الملك المتوكل حدثاً استثنائياً في الساحة السياسية اليمنية التي طالما شهدت عمليات اغتيال لسياسيين وقيادات عسكرية، وكانت أكبر موجة اغتيالات تلك التي طالت الحزب الاشتراكي، أثناء الأزمة التي لحقت الوحدة عام 1990، وبدأت منذ 1991 واستمرت حتى 1993، وأودت بحياة أكثر من مائة كادر حزبي نشط، معظمهم من محافظاتٍ شمالية، وكانت أحد أبرز تجليات هذه الأزمة، وسبباً أساسياً لانعدام الثقة بين طرفي الوحدة وانفجار الحرب الأهلية عام 1994. ومن عمليات الاغتيال الفردية تلك التي قضى فيها الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، جار الله عمر، في ديسمبر/كانون الأول 2002، وهو مهندس تحالف أحزاب اللقاء المشترك. وتمت الجريمة أثناء إلقاء عمر خطبة في المؤتمر العام لحزب التجمع اليمني للإصلاح، حيث تم انتقاء التوقيت والمكان بعناية، لنسف فكرة أحزاب اللقاء المشترك في مهدها.

هل تعد عملية اغتيال المتوكل فردية، بحكم الطبيعة المعتدلة للرجل، والتي تقربه من جميع أطياف الحياة السياسية اليمنية، على الرغم من خفوت نشاطه، بعد حادثة الموتورسيكل التي أصيب فيها في ديسمبر/كانون الأول 2011؟ أم أنها كانت عملية اغتيال ضمن موجة اغتيالات طالت الكوادر السياسية الزيدية المعتدلة، بعد اغتيال الشخصية السياسية الزيدية، الدكتور عبد الكريم جدبان، في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، ثم الدكتور أحمد شرف الدين، ممثل “أنصار الله” في مؤتمر الحوار الوطني في يناير/كانون الثاني عام 2014؟

تجمع جرائم اغتيال المتوكل، وقبله شرف الدين وجدبان، أن ثلاثتهم شخصيات سياسية زيدية معتدلة، وإن اختلف المتوكل عن الآخريْن بأنه لا يمكن وصفه من مناصري جماعة الحوثي، أو أنه شخصية تمثل المذهب الزيدي. فالرجل يصعب تصنيفه سياسياً، ويمكن، تقريبياً، ومن التعريف العام للحزب الذي أسسه “اتحاد القوى الشعبية”، اعتباره شخصيةً تتبنى قيماً منفتحة وديمقراطية بمرجعية زيدية، حيث كان يحاول تفسير النصوص الدينية الإسلامية بشكلٍ يتناسب مع قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. والأهم أنه كان مقرباً من جميع التيارات السياسية، وأكثر ما يميزه حضوره الشخصي الودود والمتواضع، وكان، في الأزمة الأخيرة، مناصراً للحوثي، وبرر له أفعالاً كثيرة، وانتقد بعضها.

وتطرح عملية اغتيال المتوكل السؤال البديهي بعد كل عملية اغتيال، من القاتل؟ في كل مرةٍ، تمر حوادث الاغتيال من دون تحقيقاتٍ في اليمن، ثم بمرور الوقت، يرجح فاعل سياسي ما له مصلحة وراء الاغتيال. هذه المرة، يبدو الوضع أكثر فوضوية وأصعب بشأن الجزم عمّن يكون صاحب المصلحة في هكذا عمليات، تطال الشخصيات السياسية المعتدلة في اليمن، فمن هو صاحب مصلحة تفريغ جماعة الحوثي من أي وجوهٍ معتدلة، ومن هو صاحب مصلحة إخلاء الساحة السياسية اليمنية من أي زيدي معتدل؟

عملية اغتيال المتوكل فرصة لفتح ملف حساس، يتعلق بمشكلة المرجعية السياسية والدينية لحركة الإسلام السياسي الزيدي، والتي تصدرها الحوثي، أخيراً، وبرزت، كما هو معروف، قوة مسلحة تحتكر، كلياً، تمثيل المذهب الزيدي، فيما تفترضه تعدّياً على المناطق الزيدية، بنشر السلفية فيها، حيث ارتكب السلفيون ممارسات مستفزة فيها، مثل منع الزيود من رفع آذانهم بجملته التمييزية “حي على خير العمل”، وزيارة قبور أئمة زيدية معروفين، ونشر معاهد علمية كان يشرف عليها الإخوان المسلمون.

وكان الزيود قد بدأوا في تأسيس ما يشبه مخيماً صيفياً، يُدعى منتدى الشباب المؤمن، لتدريس أصول المذهب الزيدي بشكل مبسط في 1992، وتوسعت هذه المعاهد والمنتديات، حتى وصلت إلى ذروتها قبل حرب صعده عام 2004، ثم أغلقت نهائياً. ومن اللافت أن الحوثي لم يعد فتح تلك المعاهد في مدينة صعده، بل وضيّق على بعض تلامذتها، وبعض المراجع الزيدية التقليدية.

كانت مناهج تلك المعاهد تصدر بترخيصٍ من والد حسين وعبد الملك الحوثي، العلامة الزيدي بدر الدين الحوثي، ومن ثم تأسست الحركة الحوثية، بترديد ابنه حسين الحوثي (قتل عام 2004 في الحرب) شعار الصرخة المستلهم من شعارات الثورة الإيرانية “الموت لأميركا..”، وبسببها قامت حرب صعده. ويُذكر أن خلافاً حاداً نشب بين أسرة الحوثي وأحد مؤسسي الحركة، محمد سالم عزّان، والذي كان يمثل المنهج المعتدل، ولم يكن ميالاً لشعار الصرخة أو تلك التأثيرات الدخيلة.

بسبب شعار الصرخة، وسفر بعض الزيود للدراسة في إيران، ومنهم مؤسسو المنتديات، مثل حسين الحوثي ومحمد عزان، دأب خصوم الحركة في تصويرها حركة ليست زيدية، بل اثنى عشرية، في محاولة لتصويرها حركة غريبة ودخيلة على اليمنيين. فيما لا تؤمن الحوثية بأبرز أفكار الاثنى عشرية، مثل الغيبة والعصمة وغيرهما، لكنها استعارت من الاثنى عشرية مظاهر احتفالية غريبة على اليمنيين، مثل الضريح الفخم الذي تم تشييده لحسين الحوثي وإحياء كربلاء بما هو غير معروف في المذهب الزيدي. ولهذا الأمر علاقة بطبيعة الجماعة التي نشأت كرد فعل ضد الوهابية التي فرضت نفسها محتكراً للإسلام، وترفض التنوع المذهبي، وبالتالي، جاءت عملية إحياء المذهب الزيدي، كما يتصور، في محاولةٍ لتأكيد طابعها الشيعي المتمايز. وكانت مرجعيات زيدية تقليدية في أثناء حروب صعده قد اعتبرت الحوثية اثنى عشرية، وليسوا زيوداً، ثم سرعان ما تغير موقفهم بعد 2011، وسقوط علي عبد الله صالح، وأقرّوا بزيدية الحوثي. وهذا موقف تتضح علاقته بمحاباة القوة، غير أنه يعكس حقيقة مهمة، وهي صعوبة تعريف الطبيعة الدينية لجماعة الحوثي.

فهل يمكن افتراض الحوثي جماعة زيدية إحيائية، وامتداداً لمنتدى الشباب المؤمن، كما يفترض بعضهم؟ وفي الواقع، ليس لتلاميذ المنتدى حضور قيادي في الحركة التي تعد إحيائية، ويفترض منهجية فكرية وفقهية للجماعة، وهذا غير موجود، حيث تعتمد الجماعة في تجنيد أنصارها على ملازم خطب مؤسسها، حسين الحوثي، وهي خطب سياسية، تستعير الجملة الدينية، ولكن من دون بُعد فقهي أو فكري، بل بطريقة عاطفية، فيها قدر من السطحية، معتمدة على أفكار مثل معاداة أميركا والغرب والسعودية وحب آل البيت والمظلومية، وهي ملازم أكثر سطحية وبساطة من رسائل التوحيد للإمام محمد عبد الوهاب الذي صار مرجعية الإسلام السلفي.

أي أن حركة الحوثي لا كتب ومرجعيات فكرية لها، ولا يمكن معرفة إلى أي تيار زيدي تنتمي، مثل تيار الهادوية أو الجارودية أو الصالحية. لكن الأهم أن قائد حركة الحوثي ينقض أبسط مبادئ الزيدية في الإمامة. الزيدية تؤمن بفكرة الخروج على الحاكم الظالم والتمرد المسلح، لكن بشرط وجود إمام تتوفر فيه شروط الإمامة، وأبرزها أن يكون عالماً بأمور الدين، حسب المنطق الزيدي. ولم يعلن عبد الملك الحوثي نفسه إماماً، وهو، ببساطة، يفتقد جميع شروط الإمامة، وأبرزها العلم، ويتضح هذا من لغته العربية البسيطة، والتي تكشف بساطة معارفه، أي أن ما تفعله جماعة الحوثي مخالفة صريحة للمذهب الزيدي.

الحركة الحوثية، مثل معظم حركات الإسلام السياسي، العنيفة خصوصاً، تتعامل مع الدين بانتقائية، وكمحاولة لشرعنة عنفها، بقدر لا يخلو من تسطيح معتمدين على استدرار عواطف الناس، وإيجاد حالة خوف من خصوم وأعداء خطيرين، مثل أميركا أو القاعدة، في حالة الحوثي، لكنها تخلو كالعادة من أي مرجعية دينية تقليدية، ومن أي مرجعية سياسية، تحاول الإجابة عن تساؤلات عصرية، متعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، كما كان الدكتور المتوكل. وهذا يطرح تساؤلاً مشروعاً: إلى أين تذهب هذه الحركة، خصوصاً أن الشخصيات المعتدلة التي قد تشكل جسراً بينها وبين الآخرين تتساقط، واحداً تلو الآخر، وتخلو الساحة من كل الشخصيات التي كان في وسعها فرملة جموح جماعة الحوثي وعنفها.

 من صحيفة العربي الجديد: http://www.alaraby.co.uk/opinion/8310b280-1feb-43dc-a3ba-44e61c166d33

 

اللّمسات الأخيرة لمسرحيّة “الزعيم”

ما قام به المؤتمريون اليوم من نشر تلفيق عن طلب السفير الأمريكي مغادرة صالح شيء مدروس ومُخطّط له مسبقاً..

الرئيس اليمني يقول انه سيترك السلطة خلال ايام

كيف ولماذا؟؟

جميع القرائن والدلالات تُشير إلى أن قيادات اقتحام العاصمة والمدن هم من الحرس الجمهوري؛ أي أن الحوثي مجرد كومبارس. الحوثي يتصرف كأنه هو من يقوم بهذه الغزوات، والذرائع جاهزة على طريقته. إعلام الفريقين يروج للأخير بصفته “الكل بالكل” ولا صحة لدعمه.

الآن الأمر الرائج هو أن الحوثي من يسيطر على المدن، بينما يضمن صالح ذلك عبر تمثيل أكثر من ثلثين وسط تلك القوة العسكرية. صالح يسيطر الآن على كل شيء وبموافقة المجتمع الدولي. لا بد من معرفة الجميع أن صالح هو من يسيطر على كل شيء.. كيف ذلك؟

قواعد المؤتمر خاملة منذ سنوات، ويصعب عليه إخراج الشارع. استفزاز الشارع بخبر من قبيل طرد “الزعيم” من بلاده عبر خطاب استجدائي من شأنه تحريك الشارع وصناعة هالة غضب -ولو مصطنعاً- لتنفيذ أمر ما. أما عن اختيار ٢ يومين للمغادرة، فهذا التوقيت يتزامن مع يوم الجمعة، توقيت جيد للحشد. المواطنون مستاؤون من تدهور الأمن وتساقط المدن بأيدِ المليشيات المسلحة. أين المخلّص؟ أين المهدي المنتظر الذي سيضع حد لكل هذه الفوضى؟؟ سيظهر في الوقت المُناسب الذي يبدو قد حان وقته.

لماذا لم يظهر هؤلاء منذ البداية طالما يملكون القوة؟ لو قاموا هم بدور الحوثي للاقوا مقاومة ثورية غير عادية في كل مكان، حتى في المعسكرات ذاتها. الدخول بهيئة الحوثي وبحججه المعروفة عبر تصوير الصراع ضد فصيل معين جعل المعسكرات والمدن تسقط بطريقة هزلية ودونما مقاومة تذكر. من السهل الآن تسلّم المؤتمريين المؤسسات والمحافظات من المؤتمريين (المتحوثين) أي من أنفسهم، فضلاً عن التأييد الشعبي المتوقع.

yp29-12-2012-867376

تحدثتُ قبل شهر عن تحركات لمؤتمريين في تعز عبر عقال الحارات وتوزيع أسلحة وعمل قوائم بثوار ١١ فبراير ومناصريهم. كان هذا يندرج ضمن فترة الإعداد لهذا التوقيت تحديداً. قبل أسبوع رصدتُ تردّد سياراتٍ مدنية لقيادات مؤتمرية على المعسكرات؛ يدخلون بسياراتهم إلى الداخل ويخرجون بعد فترة لا تزيد على ساعة. يتحدّثُ المؤتمريون منذُ فترة بلهجة توعّدية بحتة مع خصومهم، حتى عبر وسائلهم الإعلامية.

جمهور الحوثي ضئيل كمسلحيه، ومن الصادم قدرته على التوسع بتلك القوة والسرعة. بالمقابل السفارة الأمريكية تنفي تهديدها لصالح وإعطائه مدة لمغادرة البلاد، من بث هذه الشائعة هي وسائل إعلام صالح نقلاً عن حزب المؤتمر. لو طلبت الولايات المتحدة ذلك فعلاً لنشرته عبر خارجيتها أو حتى عبر موقع السفارة. في ذات الوقت صالح ليس بالأحمق ليقدم على (قفشة) مفضوحة كهذه. إذن فالأمر مقصود بل ومُبيّت مسبقاً.

ثمة أمورٌ غريبة تحدُث دونما هالة إعلامية. نقل لجنة صياغة الدستور لوضع اللمسات الأخيرة إلى الإمارات للقيام بالمُهمة. يبدو أن أيران بمعية الإمارات وسفير اليمن هناك- نجل الرئيس السابق- يطبخون الدستور بطريقة طائفية بامتياز، كون الرئيس السابق والحوثيين يرجعون إلى ذات الطائفة. أمر آخر تمثّل في لقاء سرّي أفصحَ عنه لاحقاً في بروكسيل سُمي بؤتمر التصالح. لا أدري أي تصالح ومن يستهدف. من ذهبوا لحضور ذلك المؤتمر ليسوا مُمثلي أحزاب أو أطراف المشهد الداخلي اليمني بقدر ما هم أشخاص ينتمون للأسرة الملكية التي حكمت اليمن قبل الجمهورية. هل يكون لم الشمل بين الطائفة وأسرة الملكيين السابقين، وتفويت الفرصة على الثورة والقادمين الجُدد إلى المشهد اليمني؟ ربما، بل وممكن جداً ولا يوجد تفسير آخر.

مؤتمر-بروكسل-للعدالة-التصالحية-في-اليمن-610x342

بالمُناسبة، خلال اليومين القادمين، من المفترض أن يحدث شيء قد يُغيّر المشهد اليمني برمّته. ثمة حقائق طالما أبقيت طي الكتمان ستتكشّف، وستزول الأقنعة وسيكون اللعب على المكشوف. استناداً لما يجري على الأرض من إعداد ومن أشياء غريبة لا نجد لها تفسيراً، أتوقع سيناريو كارثي.

خروج جموع الغاضبين والمدافعين عن “الزعيم” وسيقتحمون بشكل “عفوي” مؤسسات الدولة والمحافظات وسيستعيدونها من رفاقهم (ذي الأقنعة الحوثية) بطريقة هزلية لا تختلف عن تلك التي حدثت قبل أقل من شهر. هذه الحركة ستضمن الدخول السلس وإثبات الأمر الواقع. بالتأكيد سيكون للحوثي نصيب من السلطة القادمة، بينما سيتركون الجنوب لهادي وناصر لقاء ما قدموه.