أرشيفات التصنيف: هموم وطن!

اللّمسات الأخيرة لمسرحيّة “الزعيم”

ما قام به المؤتمريون اليوم من نشر تلفيق عن طلب السفير الأمريكي مغادرة صالح شيء مدروس ومُخطّط له مسبقاً..

الرئيس اليمني يقول انه سيترك السلطة خلال ايام

كيف ولماذا؟؟

جميع القرائن والدلالات تُشير إلى أن قيادات اقتحام العاصمة والمدن هم من الحرس الجمهوري؛ أي أن الحوثي مجرد كومبارس. الحوثي يتصرف كأنه هو من يقوم بهذه الغزوات، والذرائع جاهزة على طريقته. إعلام الفريقين يروج للأخير بصفته “الكل بالكل” ولا صحة لدعمه.

الآن الأمر الرائج هو أن الحوثي من يسيطر على المدن، بينما يضمن صالح ذلك عبر تمثيل أكثر من ثلثين وسط تلك القوة العسكرية. صالح يسيطر الآن على كل شيء وبموافقة المجتمع الدولي. لا بد من معرفة الجميع أن صالح هو من يسيطر على كل شيء.. كيف ذلك؟

قواعد المؤتمر خاملة منذ سنوات، ويصعب عليه إخراج الشارع. استفزاز الشارع بخبر من قبيل طرد “الزعيم” من بلاده عبر خطاب استجدائي من شأنه تحريك الشارع وصناعة هالة غضب -ولو مصطنعاً- لتنفيذ أمر ما. أما عن اختيار ٢ يومين للمغادرة، فهذا التوقيت يتزامن مع يوم الجمعة، توقيت جيد للحشد. المواطنون مستاؤون من تدهور الأمن وتساقط المدن بأيدِ المليشيات المسلحة. أين المخلّص؟ أين المهدي المنتظر الذي سيضع حد لكل هذه الفوضى؟؟ سيظهر في الوقت المُناسب الذي يبدو قد حان وقته.

لماذا لم يظهر هؤلاء منذ البداية طالما يملكون القوة؟ لو قاموا هم بدور الحوثي للاقوا مقاومة ثورية غير عادية في كل مكان، حتى في المعسكرات ذاتها. الدخول بهيئة الحوثي وبحججه المعروفة عبر تصوير الصراع ضد فصيل معين جعل المعسكرات والمدن تسقط بطريقة هزلية ودونما مقاومة تذكر. من السهل الآن تسلّم المؤتمريين المؤسسات والمحافظات من المؤتمريين (المتحوثين) أي من أنفسهم، فضلاً عن التأييد الشعبي المتوقع.

yp29-12-2012-867376

تحدثتُ قبل شهر عن تحركات لمؤتمريين في تعز عبر عقال الحارات وتوزيع أسلحة وعمل قوائم بثوار ١١ فبراير ومناصريهم. كان هذا يندرج ضمن فترة الإعداد لهذا التوقيت تحديداً. قبل أسبوع رصدتُ تردّد سياراتٍ مدنية لقيادات مؤتمرية على المعسكرات؛ يدخلون بسياراتهم إلى الداخل ويخرجون بعد فترة لا تزيد على ساعة. يتحدّثُ المؤتمريون منذُ فترة بلهجة توعّدية بحتة مع خصومهم، حتى عبر وسائلهم الإعلامية.

جمهور الحوثي ضئيل كمسلحيه، ومن الصادم قدرته على التوسع بتلك القوة والسرعة. بالمقابل السفارة الأمريكية تنفي تهديدها لصالح وإعطائه مدة لمغادرة البلاد، من بث هذه الشائعة هي وسائل إعلام صالح نقلاً عن حزب المؤتمر. لو طلبت الولايات المتحدة ذلك فعلاً لنشرته عبر خارجيتها أو حتى عبر موقع السفارة. في ذات الوقت صالح ليس بالأحمق ليقدم على (قفشة) مفضوحة كهذه. إذن فالأمر مقصود بل ومُبيّت مسبقاً.

ثمة أمورٌ غريبة تحدُث دونما هالة إعلامية. نقل لجنة صياغة الدستور لوضع اللمسات الأخيرة إلى الإمارات للقيام بالمُهمة. يبدو أن أيران بمعية الإمارات وسفير اليمن هناك- نجل الرئيس السابق- يطبخون الدستور بطريقة طائفية بامتياز، كون الرئيس السابق والحوثيين يرجعون إلى ذات الطائفة. أمر آخر تمثّل في لقاء سرّي أفصحَ عنه لاحقاً في بروكسيل سُمي بؤتمر التصالح. لا أدري أي تصالح ومن يستهدف. من ذهبوا لحضور ذلك المؤتمر ليسوا مُمثلي أحزاب أو أطراف المشهد الداخلي اليمني بقدر ما هم أشخاص ينتمون للأسرة الملكية التي حكمت اليمن قبل الجمهورية. هل يكون لم الشمل بين الطائفة وأسرة الملكيين السابقين، وتفويت الفرصة على الثورة والقادمين الجُدد إلى المشهد اليمني؟ ربما، بل وممكن جداً ولا يوجد تفسير آخر.

مؤتمر-بروكسل-للعدالة-التصالحية-في-اليمن-610x342

بالمُناسبة، خلال اليومين القادمين، من المفترض أن يحدث شيء قد يُغيّر المشهد اليمني برمّته. ثمة حقائق طالما أبقيت طي الكتمان ستتكشّف، وستزول الأقنعة وسيكون اللعب على المكشوف. استناداً لما يجري على الأرض من إعداد ومن أشياء غريبة لا نجد لها تفسيراً، أتوقع سيناريو كارثي.

خروج جموع الغاضبين والمدافعين عن “الزعيم” وسيقتحمون بشكل “عفوي” مؤسسات الدولة والمحافظات وسيستعيدونها من رفاقهم (ذي الأقنعة الحوثية) بطريقة هزلية لا تختلف عن تلك التي حدثت قبل أقل من شهر. هذه الحركة ستضمن الدخول السلس وإثبات الأمر الواقع. بالتأكيد سيكون للحوثي نصيب من السلطة القادمة، بينما سيتركون الجنوب لهادي وناصر لقاء ما قدموه.

ليلة سقوط الجمهورية ـ 2 ـ

من جديد، وفي حلقته الثانية من “ليلة سقوط الجمهورية” يُطلّ د. مروان الغفوري لسرد حقائق كانت غامضة عن سقوط العاصمة صنعاء في أيدي المليشيا، وعن تآمر الرئيس وغير ذلك..

10252148_10152436453344047_287175283721073301_n

د. مروان الغفوري

 

لم يكن الأمر بحاجة إلى بطل ليكتشف أن الحوثي خطر على الجمهورية، وأن الجمهورية هي المنجز الإنساني الأكثر أهمية منذ الثورة الفرنسية 1789. في القرون الثلاثة الماضية كانت الجمهورية، عالميّاً، تتوعَك، تضطرب، تختلس ملامح الملكيّة أو تنمو إلى إمبراطورية. بقيت للجمهورية ميزتها التاريخية: القدرة على تصحيح ذاتها “ألمانيا مثالاً”. أما الأصوات التي تسخر من القول إن الجمهورية في اليمن انهارت وصعد نظامٌ جديد بطرياركي، أحادي، كنَسي يملك فيه فردٌ واحدٌ خيوط كل الأشياء، ولا يمكن تغييره فهو يملك امتيازاً سماوياً، تجري هذه الأصوات خارج الواقعية الحضارية وتبدو غير واعية بالوضعية العالمية المعاصرة ومعنى أن يكون المرء حُرّاً، كلّي الاختيار، كُلّي الإرادة. إذ لا يمكن أن تعالج الجمهورية بصب مزيج من الكنائس والبارونات على عاصمتها! بصرف النظر عن درجة اعتلالها. ففي اللحظة الأكثر قلقاً واهتزازاً في تاريخ اليمن احتاج اليمنيّون إلى حلول تنبع من المستقبل فإذا بالماضي يتدفق عليهم من الكهوف والجبال، من الكتب الصفراء، ومناحات التاريخ.

ها قد أصبح عبد الملك الحوثي يملك كل شيء، لا تدركه الأبصار وهو يدركها، ويقدر على فعل حتى الأشياء التي لم يكن يطمح إليها لأنها كانت إلى ما قبل أيام مستحيلة عليه. لقد استطاع الحوثي أن يكتشف المخبأ الذي لجأ إليه القشيبي، وقتله. كما اقترب من الجنرال علي محسن عبر رجال الأخير وكاد أن يقتله. أما طه الظفري، نجل واحدة من أكثر الأسر الهاشمية إيماناً بالاختيار الإلهي للحوثي، فقد كان مديراً لوزارة الدفاع ليلة سقوط صنعاء، وكان الشخص الذي بحوزته تلفونات الوزير، وحقيبته. كانت اليمن كتاباً مفتوحاً، وكان الحوثي يكتب نصّ الولاية على طريقته. وخلال ساعات صاح عبد الملك على طريقة بن غوريون: حدودنا حيثُ تقف دباباتنا. أما الرواية التي قدمها محمد عبد السلام، الناطق الرسمي للحوثية، إلى قناة الجزيرة فقد تحدثت عن مستوى عالٍ من التنسيق بين الميليشيات التي أسقطت صنعاء وبين الدولة. ولأنه من غير الممكن عمليّاً الحديث عن دولة في اليمن فإن التنسيق جرى بين الميليشيا من جهة والرئاسة والجيش من جهة أخرى. لم تكُن رواية عبد السلام احتيالاً سياسياً، فبعد 21 سبتمبر لم يعُد الرجل مضطراً لاختلاق مثل هذه القصّة.

فقبل السقوط بأياماجتمع هادي بكبار جنرالات الجيش وأبلغهم أنه يريد خطة عسكرية للمواجهة. كان اللواء الجائفي، قائد الحرس الجمهوري، يجلس في مواجهته في حين يتوزع الآخرون على جانبيه. بينما هادي يعبث بكشف من ثلاث صفحات “إي فور” سأله الجائفي بسخرية “الآن تطلب منّا إعداد خطة مواجهة وهم على أبواب صنعاء؟” فرد عليه هادي ببرود: إذا كنت غير قادر على المواجهة فما عليك سوى أن تستقيل. فقد الجائفي هدوءه المعتاد وقال لهادي بصورة مباشرة: اسمع يا فخامة الرئيس، احمِ ظهورنا من الشرطة العسكرية والأمن المركزي واترك الأمر علينا. مرّت لحظات صمت قطعها هادي وهو يلوّح بالأوراق التي بيده “هذا كشف بالأفراد والضباط الخونة الذين سلّموا كل معلومات الجيش إلى الحوثيين”. كان كشفاً رهيباً يعادل حجم كتيبة من الجيش، قال هادي إنهم جواسيس للحوثي. استلم وزير الدفاع الكشف المشار إليه، وأعطاه إلى طه الظفري. وطه الظفري هذا لم يكن سوى الشباك الذي يطل من خلاله عبد الملك الحوثي على الجيش. كانت الحركة مقصودة من قبل هادي. ففي ذلك الاجتماع جلب شخصيات لا علاقة لها بالنشاط العسكري وكان يهدف إلى إيهام الجميع بأنه عازم على حماية صنعاء. 
الخطة التي أعدتها “هيئة عمليات القوّات المسلّحة” للدفاع عن صنعاء سرّبت إلى الحوثيين. وبحسب مصدر رفيع في الجيش فقد كانت تحركّات الحوثيين كلها معتمدة على خطة الدفاع التي أعدتها الهيئة. “دخلوا صنعاء وهم يعرفون كيف يتحركون ومن أين يهجمون، كانت الخارطة كلهم معهم، ولم يكن هناك جيش” أضاف بلكنة بائسة. وعندما سألته عن موقف وزير الدفاع قال إنه أصدر أوامره إلى كل الجيش بعد التدخّل. وحتى تلك الخطة التي سرّبت للحوثي عمل وزير الدفاع على تجميدها. تواصلتُ مع مصدر في اللجنة الأمنية العُليا فأخبرني أن وزير الدفاع في الاجتماعات الأخيرة للجنة، بينما كان الحوثيون يخترقون شمال العاصمة، كان يقول إن الله سيفرجها. ثم ينهي الاجتماع ويغادر بصحبة طه الظفري، الرجل الذي سيذكره التاريخ باعتباره كلمة السر الكُبرى في انهيار الجمهورية.

في العمليات التي قامت بها جماعة الحوثي في عمران، ثم صنعاء كانت تصرّ على أن تتسلم الشرطة العسكرية المعسكرات والمنشآت. والشرطة العسكرية هي مؤسسة تتبع وزارة الدفاع ويقودها اللواء الركن عوض بن فريد، وهو أحد العسكريين الذين يعتمد عليهم الحوثي في عملياته، وفي الوقت نفسه تربطه بكبار راديكاليي الحراك الجنوبي علاقات صلبة. كان الجائفي، قائد الحرس الجمهوري، مدركاً للفجوة الأمنية الخطرة التي تشكلها “الشرطة العسكرية”. فهو، كعسكري رفيع، يعلم الطريقة التي ساهمت من خلالها الشرطة العسكرية في إنهاء وجود اللواء 310 في عمران. فقد كانت المفاوضات في صنعاء، آنئذٍ، على أن يخرج جنود وضباط اللواء 310 بسلاحهم الشخصي، وتتسلم الشرطة العسكرية اللواء بكل عتاده. ما إن بقي بضعة عشرات في المعسكر حتى انسحبت الشرطة العسكرية بصورة مفاجئة ودخل الحوثيون اللواء من كل بواباته. في تلك الأثناء، وهذا الجزء الأكثر تراجيديا في سيرة سقوط اللواء 310، كان وزير الدفاع في الإمارات، وكان قائد اللواء القشيبي في مكان آمن داخل اللواء، غرفة تحت مبنى الاتصالات. هاتف القشيبي رئيس هيئة الأركان اللواء الأشول تمام الساعة السادسة مساء وصاح به “هل هذا هو الاتفاق، الحوثيون يقتحمون اللواء ويقتلون من بقي من الأفراد في العنابر”. سأله الأشوال عنن مكانه فقال إنه في مكان آمن. استمرت عملية البحث عن القشيبي قرابة الساعتين، ووزارة الدفاع تغط في نوم عميق. الطيران الذي غادر صنعاء لإنقاذ اللواء جاءته أوامر من الجوية، بحسب رواية الأشول، بالعودة. وفي تمام الثامنة والنصف هاتف رئيس الأركان مرّة أخرى القشيبي ليسأله عن مكانه، وينصحه بالتواصل مع قائد الشرطة العسكرية في عمران. همس القشيبي على الهاتف “أنا على بعد أمتار من الشرطة العسكرية، ولا أستطيع أن أتحدث إليهم لأن الحوثيين منتشرون في كل مكان”. طارت جملة “على بعد أمتار” في السماء. المصادر الأمنية الرفيعة التي تحدثتُ إليها تؤيد الفكرة التي تقول إن الأشول بادر بنقل المعلومة إلى وزير الدفاع، وكان على الهاتف على مدار الدقيقة، والأخير بدوره نقلها إلى الحوثيين”. مرّ وقت قصير قبل أن يعثروا على المكان الآمن، وهناك وجدوا القشيبي، وصلبوه بطريقتهم. كانت آخر عبارة سمعها القشيبي في حياته، بحسب الرواية الأكثر صلابة، سمعها القشيبي هي “هل تعرف جرف سلمان”؟ أما الشرطة العسكرية فدخلت تتجول في اللواء، وتقلب جثث القتلى، وتتبادل السلام مع ميليشيا الحوثي. بدا كأن جنود اللواء الذين قتلهم الحوثيون ينتمون إلى عالم آخر، أو أنهم غير مرئيين.

تجاهلت وزراة الدفاع الأمر بعد ذلك كلّياً، وذهب هادي يضلل الناس، بمن فيهم نفسه. وأكثر من ذلك حاول أن يمنع الناس من أن تتذكر حقيقة أن القشيبي سبق وقدم استقالته إلى هادي أكثر من مرّة وكان الأخير يرفضها قائلاً “لن يتصرف الحوثي باليمن كما يشاء، أنا الرئيس”. وكان يعدّ لنحره، إذ ذهب بعد ذلك يقول للسفراء إن القشيبي كان قائداً متمرّداً. أما الوزراء الثلاثة الذين اجتمعوا ليدوّنوا خطاباً رسميّاً يدينُ اقتحام المعسكر وقتل قائده فقد فوجئوا بوزير الدفاع يقف على رؤوسهم ويقول بصوت آلي خشن “خففوا صيغة البيان، لا داعي لأي تصعيد، وليس هناك ما يستحق الإثارة”.

مرّة أخرى..
بعد عشرات السنين سيحتفظ الرجلان بمكانيهما: عبد الملك الحوثي ملكاً، وآمراً، وصالح هبْرَة موظفاً مأموراً. وحتى فيما لو حدثت ظواهر طبيعية مدمّرة، ومات نصف البشر أو نجوا من الموت لن تتغير مواقع الرجلين: الملك والمأمور. وليس لذلك من تفسير سوى أن الله يحب عبد الملك، ولا يحب هبرة. غير أن الأمر الأكثر جللاً في هذا المشهد هو أن هبرة لن يراجع إلهه قط في هذا الشأن. في السرّ ستنمو طبقة جديدة من المؤمنين تعاتب الإله: لماذا تحبّ عبد الملك أكثر منّا. وعندما يعثر مسلحو عبد الملك على هذه الفئة المؤمنة سينتهكون حياتها بوحشية، وسيقال لهم “كانت تلك هي إجابة الإله، فحذاري من مساءلته مرّة أخرى”. هذه ليست مقطوعة درامية، فقبل أيام عاد أحمد عوض بن مبارك إلى القاهرة حزيناً ومحنيّاً. التقى الرفاق الجنوبيّين وأطلعهم على المعلومة التي دفنها بعيداً عن أعينهم وآن أن يطلعهم عليها بعد أن اختلس الحوثي مجده في اللحظات الأخيرة.

طبقا للرواية الأخيرة لبن مُبارك ففي اللقاء الذي جمعه بالحوثي في صعده ألمح بن مبارك إلى ما أسماها “الإرادة الجنوبية” ومرّ على فكرة استعادة الدولة. ويبدو أنه كان ينقل تلك الكلمات كرسائل هادوية لمساومة الحوثي. لم يكن هادي يضغط على الحوثي أو يهدده، كان فقط يساومه، وهُنا يكمن لغز سقوط الجمهورية إلى حد بعيد. يقول بن مبارك إن الحوثي اعتدل في جلسته وخاطبه بصورة مباشرة مشيراً بسبابته تجاه صدر بن مبارك. قال الحوثي إن أمر الشمال محسوم، وأنه الشخص الوحيد المخوّل بالحديث عن المصير السياسي للشمال. أما الجنوب فإن مسألة انفصاله “أبعد من عين الشمس”، وأنه على أهبة الاستعداد لخوض حرب في الأراضي الجنوبيّة حتى آخر مجنّد يملكه، وآخر طلقة مدفعيّة. حدث ذلك قبل سقوط صنعاء بساعات. نقل بن مبارك الرسالة إلى وزير الدفاع وهادي، وبدا كأن الرجلين لم يسمعا ما قاله فلم يكونا مشغولين بأمر الجنوب، ولا بأمر الشمال. بدلاً عن ذلك فقد اتخذ هادي ووزيره طريقاً آخر. ففي تمام الساعة التاسعة مساء، 20 سبتمبر 2014، هاتف وزير الدفاع السياسي المعروف صلاح باتيس “إصلاح، حضرموت” قائلاً: أنا الآن في القيادة العامة، كي تتأكدوا أننا اتخذنا قراراً بالمواجهة العسكرية، أبلغ أصحابك بذلك وأخبرهم بأن عليهم أن يصمدوا في أماكنهم. غير إن الإصلاح كان قد خسرَ كثيراً، وبات أمر انسحابه مجرّد مسألة إجراءات. بدا لهُم أن هناك مذبحاً كبيراً وأن ثمّة من قرر نحرهم عليه قرباناً. أما الحوثيون فلم يجدوا مانعاً من أن ينحروا أي يمنيّ أياً كانت صفته، فلديهم ما يكفي من الذرائع. فهم يقتلون اليمنيين كأنهم لا يعرفونهم. يتعاملون مع اليمني، منذ مئات السنين، على طريقة الظواهر الاستعمارية الإحلالية. فقبل مئات السنين سئل الإمام عبد الله بن حمزة، من الأئمة الذين حكموا اليمن، عن سبب نحره لليمنيين فرد غاضباً “قتل جدّي الإمام علي ثلاثين ألفاً في نهار واحد، كانوا كلهم من المسلمين، ومن قتلاه من حضر بدر المسلمين فما بالكم بهؤلاء الأوباش”. كان يقصد بالأوباش الشعب اليمني.

في نهار اليوم 20 سبتمبر انطلقت المدفعية من فرق الجيش المرابط في كل من عطّان، ونقُم مستهدفة مقرّ الفرقة الأولى مدرع. كان وزير الدفاع يصرّ على حسم أمر الفرقة بسرعة بعد صمودها مسنودة بالتشكيلات المسلّحة التي قدمها الإصلاح والقبائل والمتطوّعون. وكان هادي قد أعطى موافقة على تلك الفكرة قائلاً إنه يريد أن ينتهي من ذلك الكابوس إلى الأبد. في تلك الأثناء كان أحد وزراء حكومة باسندوه في زيارة قصيرة للسفير الأميركي في صنعاء. جاءه اتصال مفاجئ من شخصية مرموقة أخبرته أن الجيش يهاجم الفرقة الأولى مدرّع من أكثر من جهة، وأن هناك حالة من الذهول والحيرة والشلل. نقل الوزير هذا الخبر إلى السفير الأميركي فهاتف الأخير الرئيس هادي مباشرة، وكان أول سؤالٍ طرحه عليه ـ طبقاً لرواية الوزير ـ هو: هل فرق الجيش المرابطة في عطّان ونقُم لا تزال تحت قيادتك أمّ أنها تمرّدت؟ أجاب هادي “لا تزال تحت قيادتي ولا يوجد أي تمرّد”. سأله السفير الأميركي: لماذا تقصف الفرقة المدرعة إذاً؟ ارتبك هادي، طبقاً لرواية السفير الأميركي، وقال إنه لا يعرف، وأنه سيسأل من يعرف! فيما يخص هذه الحادثة، إطلاق النار على الفرقة المدرّعة، بدت المصادر العسكرية في الفرقة المدرّعة مترددة عندما سألتها وأعطتني إجابات غير واضحة، مفضّلة فيما يبدو عدم تأكيد أو نفي الحادثة بشكل نهائي لأسباب غير مفهومة.

نجا الجنرال من موت محقق. كان العقيد خالد العندولي مقرّباً من الجنرال علي محسن. في الساعات الحرجة استطاعت جماعة الحوثي أن تخترق تحصينات الجنرال وجداره الناري عبر الضابط المقرّب منه “العندولي”. في تقدير القيادات العسكرية التي سردت لي القصة فإن العندولي عندما رأى كل القادة، بمن فيهم الرئيس، يبيعون الدولة والجيش والعاصمة قرر أن يشترك في العملية ووشى بقائده. لا يزال مصير الرجل مجهولاً وفي الغالب، بحسب أكثر من رواية عسكرية، فقد اتجه إلى صعدة وقدم ولاءه لقيادة الميلشيات هناك. قائد عسكري آخر فرّ أيضاً في تلك الساعات. فقد كان قائد هيئة عمليات القوات المسلحة من أكثر العسكريين حماساً لتنفيذ خطة الدفاع عن صنعاء. وعندما وقف أمامه وزير الدفاع معلناً تجميد كل فعل عسكري وبشكل نهائي، في الوقت نفسه كانت جيوش الحوثي تقتحم صنعاء أدرك الرجل أن قائده الأعلى سيبيعه للميليشيا كما فعل مع كل شيء. فر قائد عمليات القوات المسلّحة من صنعاء، واختفى بعد ذلك.

في كل الأوقات كان هادي ووزير دفاعه يتحركان في مدارات أخرى لا علاقة لها بالشمال ولا بالجنوب. فالرجل الذي فرّ من عدن صبيحة يوم من أيام العام 1986 وهو في وافر شبابه لن يعثر على بطل بداخله وهو يتخطىّ السبعين. المعلومات الدقيقة التي حصلت عليها من مصادر عليا تقول إن المملكة السعودية بعد أن وعدت هادي، عقب سقوط عمران، بثلاثة مليارات دولار منها 700 مليون دولار لشراء ترسانة عسكرية وترميم سرب المقاتلات فإنها ـ المملكة، سرعان ما حوّلت مبلغ 234 مليون دولاراً. من هذا المبلغ دفع هادي ووزير دفاع 96 مليون دولاراً لشراء قطع غيار من روسيا البيضاء، وأخفوا الباقي، أي 138 مليون دولاراً. حدثت هذه السرقة عندما كان الحوثيون يقتحموشملان ويفرضون إيقاعهم على شمال العاصمة. ترك وزير الدفاع أمر الجيش لسكرتيره الإمامي طه الظفري وراح يتدبّر مصادراً جديدة للدخل. إننا بصدد قصة تقول إن قائد الجيش انشغل أثناء سقوط الدولة بالسرقة، وهذا المشهد السينمائي كان على الدوام حكراً على مهمشي الحروب والعبيد وكلاب السكك، تلك التي تختطف لقمة من حقيبة جريح أو تسرق نعلاً من جندي قتيل.

يتذكر هادي جيّداً موقف اللواء الجائفي من حرب عمران، واحتلال صنعاء. الجائفي هو آخر القادة العسكريين الكبار الذين استمروا في المشهد حتى الآن، وهو أمر يزعج هادي كثيراً، وكذلك الميليشيا. يريد هادي نظاماً عسكرياً يتحكم به طه الظفري عبر شبكته الخاصة! في الأيام الماضية اشتكى هادي للسفراء من قائد الحرس الجمهوري قائلاً إنه ضابط متمرد، مستخدماً في وصفه العبارات نفسها التي كان يصف بها القشيبي.

هادي هو الأمثولة الأكثر إدهاشاً، وإثارة للعار والخجل. فعندما عرض عليه رئيس الحكومة باسندوه مد جسور دبلوماسية مع إيران حتى يمكن التعامل مع المأزق الحوثي بشكل أكثر جدّية ومعقولية فإن هادي رفض الفكرة تماماً وراح يشي برئيس حكومته لدى خصوم إيران مرّة أخرى. غير أن هادي عاد مرّة أخرى وطلب التواصل الرسمي مع إيران عبر وسيط “عُمان”. بين الفكرة التي طرحها باسندوة والرغبة التي أبداها هادي للاتصال بإيران سجلت الأوراق حادثاً مدويّاً. فقد زار وفد إيراني رفيع، من مسؤولي وزارة الخارجية الإيرانية وآخرون، اليمن فرفض هادي استقبالهم. لم ينس هادي أن يبلغ السعودية أنه رفض استقبالهم، وأن يبلغ الحوثي أنه فعل ذلك تمويهاً! طلب الوفد اللقاء برئيس الوزراء باسندوه فرحّب بالأمر. وجد باسندوه نفسه فاقداً للغة، عاجزاً عن الحركة وفضّل الصمت العميق. ذلك أن رئيس الوفد فاجأه بقوله “فيما يخص السفينة جيهان، والمعتقلين الإيرانيين لديكم، للأسف كل اتصالاتنا بالرئاسة اليمنية فشلت، فقد كنّا نحَال على أبناء الرئيس وهؤلاء كانوا يطلبون فدية مالية. في المرة الأخيرة وصلت الفدية زهاء عشرة ملايين دولار، ونحن نرى في هذ الأمر ابتزازاً لا يتسق مع الأعراف الدبلوماسية”..

سقوط عمران أثار شهية هادي ووزير دفاعه. كما كشف خارطة القيادات العسكرية التي قالت لا لسقوط عمران. هُنا اقتضت الخطة المجيء بالحاوري لقيادة المنطقة العسكرية السادسة. التغيّر المهم في الأيام الأخيرة للحاوري أنه كان ضمن مشائخ همدان الذين وقعوا وثيقة صلح وولاء لـ / مع الحوثي. يدين الحاوري بولاء شديد لصالح، وكان أحد الضباط الثلاثة الذين اشتركوا في اغتيال الحمدي بحسب عشرات الروايات المدوّنة. كانت صنعاء على مرمى حجر، وكان الوقت مناسباً لأن يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب. المصادر العسكرية الرفيعة التي تحدثت إليها قالت إن اختيار الحاوري جاء بعناية شديدة وبتنسيق مع حوثيي الجيش. بعد جريمة شملان، ورؤية العالم لجثث الجنود في الشوارع اجتمع هادي بهيئة الاصطفاف الوطني وقال لهم على طريقته “للأسف، عيّنت الحاوري لأنه أقنعني أنه ضد صالح. سبق أن سبّ صالح أمامي، لكنه خدعني. الحاوري عميل لصالح، خدعني، والآن لا يمكن تغييره”. بينما كانت جيوش الحوثي تقتحم شمال العاصمة أعاد هادي الجنرال محسن إلى الفرقة الأولى مدرّع تلفونياً. ذهب الرجل إلى الفرقة موعوداً بدعم كبير. لكن الوقت كانت قد تأخر، وكان التلفزيون قد سقط، والتباب المطلّة على جامعة الإيمان والفرقة المدرّعة. حدثت مواجهة قصيرة أدرك معها الجنرال، ومعه الإصلاح بأن الوقت قد تأخر لفعل أي شيء وأنه القشيبي 2، وأن جهة ما ستقبض ثمن جثته. أغلقت كل معسكرات الجيش أبوابها تماماً وتحركت دبابات الحوثي كأنها تعبر في أرض بلا شعب. وبقي في نهار صنعاء، وفي ليلة، 500 فرداً في الزي الرسمي يحرسون اليمن الذي لا يعلم عنهم شيئاً.

وفي ظهيرة يوم 21 سبتمبر غادر محسن الفرقة الأولى مدرّع واتجه إلى السفارة السعودية. وبدوره هاتف السفير السعودي الرئيس هادي قائلاً “الملك يبلغك التحية ويطلب منك حماية حياة علي محسن”. طلب هادي من محسن المجيء إلى دار الرئاسة، فطلب السفير حراسة خاصة. وصلت الحراسة، وفي سيارة مرسيدس ليموزين سوداء اتجه محسن من مقر السفارة إلى دار الرئاسة. بات محسن نهاره كاملاً مع هادي في دار الرئاسة في وجود بعض اللاجئين من السياسيين والإعلاميين. دار بين الرجلين حوار طويل، ومعقّد، لو دوّنه اليمنيون فسيكشف الضوء على أسوأ ساعات صنعاء. في المساء طلب هادي طائرة مروحية من القاعدة الجوية في صنعاء، لكنها كانت قد سقطت كلّياً بيد الحوثيين. رفض الحوثيون السماح لأي طائرة عسكرية بالإقلاع دون معرفة “لماذا”. اضطر هادي لطلب طائرة عسكرية من خارج صنعاء، أغلب التقديرات أنها جاءت من تعِز. قامت المروحية بنقل الجنرال علي محسن الأحمر ورفاقه إلى الحديدة. من الحديدة غادر الجنرال عبر مروحية أخرى إلى الأراضي السعودية، إلى جيزان..

يدور الرجلان، هادي ووزير دفاعه، في عالم معقّد من الهمجية والمال واللصوصية والتآمر. فالدبلوماسي الرفيع الذي أخبرني قبل عام أن هادي يقرأ الكتب محاولاً أن يثير إعجابي عاد قبل أيام للاتصال بي، وليخبرني بأن الكُتب التي حدثني عنها قبل عام كانت متعلقة بالجاسوسية والجرائم. وأن هادي بالفعل مهووس بالمؤامرات والدسائس. فعندما تآمر صالح مع الحوثي اتجه هادي لمنافسة صالح على الكنز ذاته. في الأيام الأخيرة قرّر صالح العودة إلى السعودية فرحّبت السعودية بالأمر. وبحسب المعلومات التي لدي فإن السعودية قبلت الصفقة وتسعى لتزويد صالح بمبالغ مالية كافية لملمة شتات النسيج الذي اختطفه الحوثي. في الوقت نفسه أوقفت مبلغ 450 مليون دولاراً كانت جاهزة للتحويل إلى صنعاء، كجزء من التزام سعودي حديث. سئمت السعودية هادي، حتى السعودية. خرج هادي بخطاب ضد الحوثي لينافس صالح في هجاء الأخير، كما نافسه في التحالف معه. غير أن هذا ليس الجزء الأكثر سوء في فخامة السيد الرئيس.

 

 *من صفحة الكاتب على فيسبوك: https://www.facebook.com/alghafory

الحاجة إلى دولةٍ مُستبدة

4708434_max

ليس الاستبداد دائماً ذات طابعٍ سلبي رغم كارثيته، لكن وجوده في أحيانٍ مُعينة محبّب بل ومُحتم. بعد الأحداث التي شهدتها دول الربيع العربي برَزت الحاجة المُلحة لاستبدادٍ عادل لوضع حد لوفرة الحرية الطارئة في تلك البلدان، تلك الجُرعة المُفرطة من الحرية التي لم يألفها الشّعوب تحولَت إلى فوضى عارمة.

الثورة أداة للوصول إلى هدف “الدولة” والقانون وليست الهدف بحد ذاته، وبالتالي استمرار هذه الأداة يقود إلى الدوران في حلقة مُفرغة. وهذا ما حصل بالفعل في هذه البلدان. فقد تحوّلت الثورة إلى حدث يومي كجزءٍ لا يتجزأ من حياة المجتمع إلى أن صارت غوغائية.

الثورة هي الوصول إلى السلطة بطريقة غير شرعية عبر الفوضى. عندما تستمر هذه الفوضى، من المفترض أن يأتي على سُدة الحكم أشخاص كُثر في وقت قياسي وبالتالي يظل الاستقرار مُتزعزع بقدر تزعزُع المتعاقبين على السلطة.

كان من المفترض أن يعقُب الربيع العربي دولٌ مُستبدة. أقول دولة مستبدة وليس سُلطة مُستبدة. فاستبداد الدولة عدالة ومساواه وحزم، أما استبداد السلطة فئوي أو طائفي أو جهوي. استبداد السلطة كارثي ومُمزق للنسيج الاجتماعي. الدولة كيانٌ مستمر، بينما السلطة عبارة عن شخوص انتهازيون يجوّرون مقدرات الدولة لصالح الفرد أو الحزب أو الفئة.

في البلدان التي شهدت احتجاجات ما سمي بالربيع العربي، لم يراد للدولة أن تحضر، ثمة من لم يرقه ذلك. وهذا ما يفسره التخبط والتعثر الذي أصابها، وانهيار أي سلطة تصل إلى سدة الحكم وصعود أخرى. كل المكونات المُتعاقبة على السلطة تستخدم تقريبا ذات النهج الفوضوي الثوري، وهذا ما غيّب الدولة تحديداً. ولا ننسى كذلك البعد الإقليمي والدولي في تأثيره على المشهد بشكل مباشر أو عن طريق دعم فصيلٍ ما للقيام بالمهمة.

إذن لا تزال الثورة هي الوسيلة والغاية في آنٍ معاً، لذا من المفترض أن تستمر الفوضى إلى أجل غير مُسمى، وسيرافقها غيابُ الدولة. للأسف هذه الطريقة الفوضوية باستمراريتها خلّفت جماعة دينية مُتطرفة في اليمن على سبيل المثال وليس الحصر. ويبدو أنها لن تستقر عليها طالما والوسيلة لا تزالُ تعمل، خصوصاً أن هذه السلطة التي أتت على حين غفلةٍ من التاريخ مسكونةٌ بالطائفية وستُعيد الوطن إلى حِقب سحيقة من الظلاميّة والتخلّف.

إبان ثورة فبراير في اليمن والتي أفضت إلى اتفاقٍ لتسليم السلطة عبر المبادرة الخليجية، أتذكّر عندما تمّ تعيين محافظاً لمدينة تعز عقب تسليم السلطة، كان المواطنون باختلاف آرائهم السّياسة تواقين لحضور الدولة. أتذكر المواطنين وهم يصرخون مخاطبين المحافظ الشاب الذي ينتمي لعائلة تجارية مرموقة ومشهودٌ لها بالنزاهة والكفاءة. كان الناس يطالبون، بعد الفوضى التي شهدتها المدينة إبان الثورة، كانوا يطالبون بأن تضرب السلطة المحلية بيدٍ من حديد؛ يطالبون ببسط الأمن ونفوذ الدولة. كما قلنا، استبداد الدولة عادل ومنصف كذلك. دولة قمعية عادلة خير من دولة رخوة وخائرة.

لقد خافت السلطات الجديدة من تقييد الحريات خوفاً على سلطتها من الشارع المتحوّل جذرياً، وتركت وفرة كبيرة من الحرية. تلك الحرية التي جعلت الفوضى تستمر لتصبّ أخيراً في مخاوفها، بل وتسقطها من الحكم.

كان من الأحرى اعتبار الربيع العربي طفرةً خاصة، بل ظاهرةً طارئة نظراً للحالة المُزرية التي وصلت إليها تلك البلدان من جهة، ونظراً للفترة المُؤبدة التي قضاها حكامها الكُهول. كان ينبغي التأسيس، عقب تساقط أولئك العجزة، لدولٍ مُستبدة تنهض بالمواطن والوطن، وتحكم القبضة على الفوضى المُفترضة. عندما توجدُ تلك الدولة المتينة، عندها سيلجأُ المواطنون إلى اختيار من يمثلهم بطرق راقية وشرعية تحت ظلها.

ليلة سقوط الجمهورية!!

الكاتب اليمني الرائع الدكتور مروان الغفوري يكشفُ السّتار لأول مرة عن خبايا التهام المليشيا المسلحة المُدن اليمنية وتورّط الرئيس هادي شخصياً. مقال للتاريخ وجدير بالقراءة..

ليلة سقوط الجمهوريّة!!

=============================================================================================

مروان الغفوري

=============================================================================================

21-01-14-291931664

في الواحد والعشرين من سبتمبر 2014 سقطت الجمهورية في اليمن، وصعد نظام جديد خليط من الميليشاوية والملكية والجمهورية بمرجعية ثيوقراطية متوحّشة. يتحدث مشايعو هذا النظام عن رحمته وعدالته. أما الآخرون، وهم الأغلبية، فيتحدثون عن جبروته ولا أخلاقيته. بموازاة ذلك منح هذا النظام الجديد أتباعه الأمن، وقال إنهم المواطنون الصالحون. أما الآخرون فكان الخوف نصيبهم، وكانوا بنظر هذا النظام الجديد مجرد لصوص، وإرهابيين، وعملاء. هكذا انقسم المجتمع أفقياً منذ اليوم التالي للسقوط. بقيت نسبة من السكّان خارج هذه الثنائية، وهؤلاء علقوا بين المواطنين الصالحين والأشرار.

لا يعلم أحد كم من العمر يبلغ هادي، لكنه لا يزال قادراً على الكذب كفتى في العشرينات. ولا يعلم أحد كم لديه من الأولاد لكنهم يشاركونه الكذب كشيوخ في الثمانينات. حاصر الحوثيون عمران، واختلقوا الذرائع. كان قائد اللواء 310 أحد أشهر خصومهم العسكريين. حشد الحوثيون قدرات رهيبة وحاصروا مدينة عمران لأشهُر. أما هادي فقد قال للسفراء الأجانب إن ما يجري في عمران ليس سوى مناوشات بين الإصلاح والحوثيين. سقطت عمْران، وقتل قائد اللواء مع مجموعة من قادة اللواء وجنوده فلم تصدر وزارة الدفاع، ولا الرئاسة، بياناً، ولا حتى بطاقة عزاء. حتى تلك اللحظة كان مكتب هادي يوزع بطاقات العزاء على الجمهورية اليمنية حتى ليخيّل للمتابع أن اليمن يمرّ بوباء. بعد أيام زار هادي مدينة عمران الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. برر ذلك، بحسب حديثه لهيئة الاصطفاف الوطني بجملة “هددت السفارة البريطانية بأنها ستغلق أبوابها، وأن البعثة ستغادر”. وعندما سئلت السفيرة البريطانية عن ذلك قالت إنها لم تتحدث معه بهذا الشأن، وأن بريطانيا لا تفكر بالتخلي عن اليمن في هذا الظرف. كان هادي يحاول منح الغزو الحوثي لعمران مشروعية داخلية وخارجية، وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد.

انطلق إلى السعودية. أمام الملك بكى هادي طويلاً وارتجفت أصابعه. الظروف صعبة، والخدمات رديئة، والحوثيون يحاصرون صنعاء، وصنعاء بوابة الرياض. هكذا كان يتحدث إلى الملك. تبرع الملك لليمن بحوالي ثلاثة مليارات دولار، منها 700 مليون دولار لتأهيل العتاد العسكري، بما في ذلك الطيران الحربي. قال هادي للملك، بحضور وزير الخارجية السعودي ووزير المالية، إن اليمن عازمة على التصدّي للحوثين وأن القدرة فقط هي ما يعجزها، لا الإرادة السياسية. بعد عودته من السعودية رأس هادي اجتماعاً للحكومة قال فيه إن السعودية عرضت تدخل الجيش السعودي لحماية صنعاء، مستعيراً كلمات الملك السعودي “اليمن الفناء الخلفي للسعودية”. لكنه ما إن غادر الاجتماع حتى طلب لقاء السفير الأميركي. في اللقاء قال هادي للأميركيين إن السعودية تضغط عليه ليخوض حرباً ضد الحوثيين، وأن اليمن غير قادر على مثل هذه الحرب. قال أيضاً أن هناك اتفاقات سياسية مع الحوثيين وأنه لم يُسجل عليهم خروقاً حتى الآن. اقترب الحوثيون من صنعاء فقال هادي في خطاب نشرته القنوات الرسمية إن الحوثيين لم يلتزموا باتفاقية واحدة منذ العام 2011.

إذا عدنا إلى الخلف قليلاً لنتأمل هادي من الأعلى فسنراه يمسك بالسماعة ويهاتف الرئاسة الجزائرية. طلب من النظام الجزائري أن يعتذر عن لقاء الوفد اليمني برئاسة باسندوه. كان باسندوه قد سافر إلى الجزائر مع وفد رئاسي رفيع لغرض “طرق الأبواب” والبحث عن أصدقاء جدد ومساعدات جديدة. مستنداً إلى علاقة قديمة مع بوتفليه أمل باسندوه أن يعود الوفد بمكسب يليق بحجم الزيارة. اعتذر بوتفليقه عن لقاء الوفد اليمني، وكانت الحجة: إن الرئيس يعاني من وعكة صحية. أما هادي فقد أبلغ السعوديين بالقصة على النحو التالي: باسندوه اتجه إلى الجزائر، ويبدو أنه يدبّر شيئاً للملكة من واقع معلوماتنا. غضب السعوديون، وهم غالباً ما يديرون سياستهم الخارجية بالغضب تارة وبالانحناء تارة أخرى. في الأشهر التالية سترفض السعودية إعطاء باسندوه تأشيرة دخول إلى أراضيها قبل أن يكتشف الرجل السر، ويشرح موقفه للجيران.

على طريقة العبد المسحوق يتصرّف هادي. يكذب في كل الاتجاهات، يخدع كل الاتجاهات، ويسقط في كل الاتجاهات. وبالنسبة لدبلوماسي غربي رفيع فإن هادي أمام خيارين، في هذه الساعة: أن يفرّ إلى الخارج، أو أن يعيش كنسخة أخرى من فارس منّاع بدرجة رئيس جمهورية. يقول المسؤول الغربي: تقديري أن لدى هادي الاستعداد النفسي لأن يلعب دور فارس منّاع، على أن يلقب بالرئيس.
رفع الحوثيون جاهزيتهم القتالية لاقتحام صنعاء. استخدم الحوثيون، بحسب تقارير وزارة الداخلية، كل وسائل الاتصالات الخاصة بالتشكيلات العسكرية التابعة لصالح، وكان عمّار صالح هو المزوّد الرئيسي لكل أشكال المعلومات حول صنعاء. كان عمار وكيلاً لجهاز الأمن القومي، لم يترك في الجهاز الأكثر الأهمية سوى الأشياء الأقل أهمية عندما أقيل من منصبه. الرواية الخاصة بوزارة الداخلية تقول إن الأطقم العسكرية التابعة لصالح انتشرت في الأحياء وباشرت عمليات اقتحامات وهي ترفع شعار الحوثيين. أما صالح فقد كان على اتصال مستمِر بقيادات عسكرية في صنعاء.

قبل السقوط اجتمع هادي بهيئة الاصطفاف الوطني وأخبرهم بقصة فانتازية عجيبة. قال لهم إن الأميركيين أخبروه بأنهم لاحظوا، عبر أقمارهم الاصطناعية، تناقصاً مستمرّاً في أعداد الحوثيين حول صنعاء. وبالنسبة لهادي فإن ذلك يعني أنه لا داعي لمزيد من القلق، وأن المسألة في طريق حل نفسها بنفسها. كان حريصاً طيلة الوقت على تأكيد أن كل شيء على ما يُرام. لكنه عاد، كما روى لي أكثر من شخص حضر اللقاء، وطلب من هيئة الاصطفاف أن تنشئ مخيمات جوار خيام الحوثيين. ذهب بعد ذلك إلى قيادات حزب الإصلاح وطلبَ منهم أمراً عجيباً. فقد سمعوا منه رجاءً خاصاً بأن ينشئوا مخيمات جوار خيام الحوثيين حول صنعاء. رفض الإصلاح، واعتذرت هيئة الاصطفاف الوطني، فلجأ هادي إلى حيلة أخرى. أرسل وفداً كبيراً إلى صعدة للقاء عبد الملك الحوثي. ما إن وصل الوفد إلى صعدة حتى طلب هادي من وزير الإعلام أن يعلن التلفزيون خطاب حرب ضد الحوثيين. لكن وزير الإعلام رواغ هادي وملأ الشاشة بالأغاني الوطنية والشعبية. فشلت حيلة هادي، فاشتعل غضباً وهاتف أحد الوزراء ـ كما أخبرني ـ مستفسراً عن امتناع التلفزيون عن نشر “بيان الحرب” فأخبره أنه لا يعرف عن الأمر شيئاً، وأن المخول بالإجابة هو وزير الإعلام. كانت خطة هادي تتحرك كالتالي: بما إن هنالك وفداً رئاسياً في صعدة، وخطاباً حربياً في التلفزيون فليس لذلك من تفسير سوى أن حزب الإصلاح هو من يرفض السلام الداخلي ويسعى إلى التصعيد. في الاجتماع الأخير لهيئة الاصطفاف سأل باتيس ـ إصلاح حضرموت ـ وزير الدفاع “لماذا لا تدافعون عن صنعاء” فرد الأخير “تريدون منا أن نتخلص من الحوثيين لكي تتفرغوا لنا”.

Followers of the Shi'ite Muslim Houthi group shout slogans as they attend an anti-government gathering in Arhab, north of Yemen's capital Sanaa

كانت خارطة صنعاء ليلة السقوط كالتالي: هادي ووزير دفاعه في القصر، مسلحو الحوثيين ينتشرون في كل مكان، ميليشيات صالح تحت لوحة حوثية يقتحمون الأحياء، وزارة الداخلية مشلولة كلّياً، وهناك فقط 500 شخصاً هم من وقفوا دفاعاً 
عن صنعاء، سيتذكرهم التاريخ.

بحسب الرواية الخاصة التي انفردت بها وزارة الداخلية فلم يدافع عن صنعاء ليلة ال 21 من سبتمبر سوى 500:
200 فرداً من اللواء 314 حول التلفزيون، و300 شخصاً في الفرقة الأولى مدرّع من المستجدّين المحسوبين على الثورة.

وضعت اللجنة الأمنية العليا خطة على الأوراق، ثم أصدرت بياناً يطالب كل وحدات الجيش بالبقاء في ثكناتها. انقطعت الصلة بين وزارة الداخلية والرئاسة، وبين الداخلية والدفاع. عشرات الاتصالات التي أجراها وزير الداخلية مع كل من رئيس الجمهورية ووزير الدفاع لم يجب عنها أحد. ترك هادي ووزير دفاعه صنعاء تغرق بمفردها.

تحرك هادي ووزير دفاعه تلك الليلة على نحو مريب. أبلغ وزير الدفاع القيادات العسكرية في صنعاء بأن الأطراف كلها، بما في ذلك الرئاسة، على وشك توقيع اتفاق للسلام والمصالح، وأنه لا داعي للمواجهة أو الاستنفار. في الوقت نفسه أبلغ وزير الدفاع قيادات حزب الإصلاح بأن الدولة اتخذت قراراً بشنّ الحرب، وأن عليهم أن يكونوا عند مستوى اللحظة. انتشر الإصلاحيّون في أماكن كثيرة في صنعاء، وتجمّعت حشودهم لدى القبائل، وكان أكبر تجمّاً للإصلاح في أرحب. ففي صباح الواحد والعشرين من سبتمبر كنت على تواصل مع متطوّعين في أرحب وكانوا في كامل استعدادهم النفسي والذهني. بالنسبة لرواية وزارة الداخلية فقد “تبخّر الإصلاحيون فجأة من كل مكان”.

أما هادي فكان على الهاتف يبلغ المجتمع الدولي بأن ما يجري مجرد مناوشات بين الإصلاح والحوثيين، وأن الإصلاحيين لأسباب غير معروفة يرفضون اتفاقات السلم والمصالحة. هذه الرواية جاءت أيضاً على لسان السفير الأميركي الذي قال لدبلوماسي يمني رفيع بأن وزارة الدفاع أبلغتهم بأن كل شيء على ما يُرام، وإن الإصلاحيين فقط هم يحاولون الاصطدام مع الحوثيين، وأن ما حدث في شملان ليس سوى مناوشات بين الطرفين. حتى يوم السقوط كان السفراء الأجانب يرددون إن كل المعلومات التي تردهم من الرئاسة والدفاع تتحدث عن التزام الحوثيين بالاتفاقيات، وأنهم لم يسجلوا خرقاً واحداً من قبل الحوثيين.

لكي تكتمل اللعبة المدمّرة طلب هادي من اللواء علي محسن الأحمر العودة إلى الفرقة الأولى مدرّع. كان اللواء 314 الواقع في شمال العاصمة قد سقط كلّياً في يد الحوثيين بعد أن طلب وزير الدفاع عن القادة المغادرة، ثم ذهب صباح اليوم التالي وطلب من الجنود الاستسلام كما روى الجنود لصحيفة المدينة السعودية، ولأكثر من وسيلة إعلامية أخرى.

تبخّر الإصلاحيون وبقيت الفرقة الأولى مدرّع بـ 300 مجندٍ شابٍ وطلب هادي من محسن أن يواجه ووعده بستين دبابة. مرّ الوقت ولم يصل شيء من السلاح، كما لم تتحرك أي من القطع العسكرية لحماية شمال العاصمة. بقي جنوب العاصمة مجمّداً، فقد وجد الجائفي، قائد الحرس الجمهوري، نفسه ضمن لعبة معقّدة غير مفهومة، بينما يتلقى سيلاً من الأوامر تطلب منه البقاء في مكانه ونسيان كل ما يجري في صنعاء. في تلك اللحظة وصلت رسالة جوّال إلى تلفون مسؤول يمني رفيع من دبلوماسي غربي في صنعاء، تربطهما علاقة صداقة “لقد تم تحديد القشيبي 2”. جمع محسن الجنود في الفرقة بعد أن خاضوا مواجهة مرّة وصعبة وقال لهم “اخلعوا الزي العسكري، والبسوا زيّاً مدنيّاً، لقد انتهى الأمر”. غادر المجنّدون، وتبخّرت كل اللجان الشعبية التي كان عمودها الإصلاح. تقول رواية قيادات الإصلاح إنهم أحسوا بأن قراراً قد اتخذ بتصفيتهم، وتدمير التنظيم كلّياً.

في ظهيرة الواحد والعشرين من سبتمبر جاءتني رسالة من شاب كان حتى الفجر ضمن معسكرات المتطوّعين في أرحب. تقول رسالته “أنا الآن في صنعاء، انتهى كل شيء. باعونا عيال القحبة”.

كانت صنعاء تعج بحوالي 60 ألف عسكريّاً ضمن تشكيلاتها العسكرية المختلفة، لكن الذين دافعوا عنها لم يكونوا سوى أولئك الـ 500 فرداً. صحيح إنهم لم ينقذوها لكنهم حفظوا شرف الإنسان اليمني إلى الأبد.

في القصر الرئاسي كان هادي هادئاً، ومبتهجاً، ومعه في الداخل الساسة ووزير دفاعه. قال إن سبب بهجته يعود إلى رؤيته لحكمة اليمنيين وهي تبهر العالم. أما وزير الداخلية، ع. الترب، فقد بقي لوحده في الخارج. رفض الحوثيون التوقيع على الملحق الأمني عصر ذلك اليوم مشترطين محاكمة قتلة الثوّار. أدرك الترب أنه 
المقصود، وكان عليه أن ينقذ نفسه.

تصرّفت الداخلية على النحو التالي: أمنت البنك المركزي بعدد 70 جندي أمن مركزي. خلال ساعات كان البنك، وحراسته، تحت حصار ينفذه حوالي 300 مسلحاً حوثياً مستخدمين الدبابات التي سيطروا عليها من اللواء 314. المعلومات وصلت لدى قائد الجيش، وزير الدفاع، ورئيس الأركان لكنهما لم يفعلا شيئاً. بدلاً عن ذلك أعادوا التأكيد، عبر بيان رسمي، على أن الجيش لن يغادر ثكناته. كانت رسالة شديدة الصرامة والصراحة تقول للمهاجمين: الجيش يقع خارج خطوط سيركم. اقتحم الحوثيون مقرّ القيادة العامة، ثم حاصروا المالية والداخلية. بالنسبة لرواية وزارة الداخلية فقد انهارت معنويات أفراد الشرطة والأمن كليّاً في تلك الساعات، وبدأوا بالفرار وخلع الزي الأمني. كان الحوثيون يمهلون حرس كل مؤسسة نصف ساعة فقط للهرب.

تقول قيادات وزارة الداخلية في شرحها لما حدث: كان لدينا خياران، إما المواجهة المحسومة سلفاً، أو الفرار وترك كل شيء للفوضى والنهب. كلا الأمرين كارثي، لذلك لجأت الوزارة إلى طريق ثالث “الاتصال بالسيد عبد الملك الحوثي مباشرة وحقن الدماء وحفظ ما بقي من المؤسسات”. ساقت الأقدار، بحسب تعبير مسؤول أمني رفيع المستوى، السيد يحيى المختفي، وهو وكيل محافظة صعدة. ترجاه قادة وزارة الداخلية أن “يشفع لهم” لدى عبد الملك الحوثي، ففعل. في الرابعة من مساء الواحد والعشرين من سبتمبر جاء تعميم من عبد الملك الحوثي يطلب من أتباعه التعاون مع الشرطة واعتبارهم “إخوةً لأنصار الله”. وزير الداخلية، من جهته، أصدر تعميماً موازياً مستخدماً الكلمات التي وردت في تعميم “السيد”، أي اعتبار الحوثيين أصدقاءً للشرطة. وفي تمام الثامنة والنصف مساءً جرى التوقيع على اتفاق السلم والشراكة، الذي سيصفه دبلوماسي غربي رفيع بأنه “لا يساوي قيمة الحبر الذي كتب به”.

بقي الملحق الأمني دون توقيع، فقد كانت رأس وزير الداخلية مطلوباً. كانت خطابات 
الحوثي تفصح عن هذه الرغبة المتوحشة تحت لافتة “قتلة الثوّار”. ولهذه القصة جزء خفي، ومرعب..

فعندما تظاهر الحوثيون في صنعاء أصدر هادي تعليماته إلى وزير الداخلية باستخدام الذخيرة الحيّة وضرب المتظاهرين في السيقان والأقدام والمناطق غير المميتة. وكما راوغ وزير الإعلام قبل ذلك فقد فعل وزير الداخلية أمراً مشابهاً سيتذكره التاريخ باعتباره فصلاً فانتازياً شديد الغرابة. ألقى ع. الترب محاضرات في كبار ضباط الداخلية وشرح لهم الطرق الحديثة في مواجهة المعتصمين، ثم أصدر تعميماً خطيّاً بعدم استخدام الذخيرة الحية أياً كانت الاستفزازات. في اليوم التالي للتوقيع كانت شخصية رفيعة من “أنصار الله” تجلس بمواجهة وزير الداخلية وتبلغه بموقف الحوثيين منه، وتنبّهه إلى حقيقة أن فرصه في النجاة أصبحت ضئيلة. لم يتدخل هادي، كالعادة، وبدلاً عن ذلك فقد أبلغ أنصار الله بأن زير الداخلية كان يعمل بخلاف أوامره. لكن الترب، بمساعدة القدر أو الحظ أو كليهما، تذكر التعميم الخطي الذي كان قد كتبه قبل حوالي شهر من تلك اللحظة وقدّم نسخةً منه لرسول السيد عبد الملك. 
بعد أيام قليلة أصدر عبد الملك توجيهاً بعدم اعتراض موكب وزير الداخلية، وحذف اسمه من قوائم الممنوعين من السفر. كما وافق على التوقيع على الملحق الأمني.

لدى الحوثيين قائمة ممنوعين من السفر. فعندما أراد وزير الإعلام قبل أسابيع مغادرة اليمن فإن أوراقه بقيت لمدة ثلاثة أيام لدى أنصار الله. بعد ذلك جاءته الموافقة، وتمكّن من مغادرة صنعاء عبر المطار الدولي. سألته شخصياً عمّ إذا كانت 
هذه المعلومة صحيحة فقال إنها صحيحة تماماً.

أما وزير الداخلية فردّ على رسالتي بالقول “نعم، طلبتُ موافقة السيد عبد الملك الحوثي على سفري، وعندما حذفوا اسمي من قائمة الممنوعين من السفر غادرت صنعاء”.

كانت الصدمة كبيرة ومدّوية في كل اليمن. أما صداها في السعودية فقد سمِع من خلال كلمات المفكر السياسي الإيراني صادق الحسيني “السعودية قبيلة تنقرض”. ضلل هادي السعودية، وخدعها، وأدخل الحوثيين إلى صنعاء، ثم سلّمهم اليمن كلّها، وها هو يفتح أمامهم أبواب الجنوب. انتقم ل 17 عاما من العبودية بطريقة مجنونة، أحرق كل شيء أمامه وخلفه لكي يطفئ حرائقه الداخلية.

قبل أيام ألقى هادي خطاباً تحدّى فيه الحوثيين، وطالبهم بسرعة مغادرة المُدن. احتار المحللون كثيراً في فهم خطاب هادي. غير أن الأمر لم يكن بحاجة إلى الكثير من التفكير. فقبل خطاب هادي بيوم واحد فقط أوقفت السعودية مبلغ 450 مليون دولاراً كانت معدّة للتحويل إلى اليمن، وكالعادة عبر بنوك نيويورك. هذا المبلغ الضخم هو جزء من التزامات المملكة لليمن منذ ما بعد سقوط عمران. السعودية تعلم أن جحيماً فتح فجأة في حدودها الجنوبيّة، وأن الرئيس اليمني ضللها كثيراً. فبعد سقوط صنعاء، عندما كتبتُ عن 17 عاماً من العبودية، جاءني اتصال من مسؤول سعودي رفيع، كان متحمّساً للمقال، وكان مخذولاً ومنذهلاً. تبادلنا الجمل والكلمات ثم سلم الهاتف لأحد الكتاب المرموقين في صحيفة الحياة اللندنية، السعودية، فكان الأخير يتحدث بمرارة وغضب، وكان يقول لي بحماس إنه يثق بنا، وأن علينا نحن الكتاب اليمنيين الشباب أن نتذكر أنهم معنا. وقلتُ له أني سعيد لأني سأتعرف عليه ككاتب وصحفي مرموق، وإن كان لقاء “تحت الأنقاض”. ويبدو أن هذه الجملة أوجعته، أو أحزنته.

في خطابه مجّد هادي جلالة الملك وقال كلاماً مجانياً عن الحوثيين. أراد أن يقول في الوقت الضائع إن الحوثيين غدروه، وأنه على الدوام لا ينوي شرّاً للمملكة. 
بحسب المسؤولين الأمنيين في اليمن فإن التنسيق الأمني اليمني السعودي فيما يخص الملف الحوثي كان عند أعلى مستوى له قبل سقوط عمران بأيام. كانت لقاءات الطرفين، بحسب المعلومات الدقيقة التي وصلتني، تخلص إلى فكرة موحّدة: صنعاء باب المملكة الأمني، وأن سقوطها سيفتح باب الشرور على السعودية. سقطت عمران، فطلبت المملكة توضيحاً من اليمن عمّ حدث، الأمر الذي اقتضى سفر هادي بحقيبة الأكاذيب خاصته. أمام الملك جثا العبد الرئيس وقال كلاماً كثيراً. بحسب المسؤولين الأمنيين الرفيعين في اليمن فإن التنسيق السعودي مع الجهات الأمنية في صنعاء خفت بعد ذلك، ثم تلاشى. وأنه ليس لذلك من سبب سوى أن الرئاسة تسلّمت الدور وبدأت عملية تضليل شاملة للملكة. فقد كانت رواية الرئاسة تعزف على القلق السياسي السعودي: الإخوان المسلمون. وحتى ما قبل سقوط صنعاء فقد سلم السعوديون برواية هادي حول طبيعة الصراع “الحوثي، الإصلاح”. قبلت السعودية الصفقة، بطريقة ما، وغضت الطرف عن عملية اعتقدت أنها تهدف لتقويض حزب الإصلاح، تلك العملية التي سيخرج فيها الحوثيون منتصرين ومنهكين في الآن نفسه، وسيكون هناك اتفاق سلام جديد، وعهد جديد بلا مخاطر!

انتهت عملية تضليل الداخل والخارج بانهيار الجمهورية اليمنية كلّياً. لقد فقد الإنسان اليمني أبسط حقّين طبيعيين يولد بهما ويموت بهما: حريّة السفر، وحرية امتلاك الرأي. Reisefreiheit und Meinungsfreiheit بالتعبير الألماني الدقيق لمعنى أن تكون حرّاً، وأن يكون بلدك جمهورية.

ففي ظهيرة الواحد والعشرين من سبتمبر 2014 ألقى شاب سلاحه خارج أسوار صنعاء، ودخلها مكروباً وهو يقول “انتهى كل شيء، باعونا عيال القحبة”.

 

 

تعز تُطهى على نارٍٍ هادئة!!

Taizz, in the middle the Cair fortress

التلويح بالاجتياح حشَدد الرّأي العام من اتجاهات مختلفة بالاستنكار. بالمُقابل دخول قيادة المنطقة العسكرية في المشهد سببٌ آخر في التأجيل تحاشياً للمواجهة المباشرة على ما يبدو، وتفادياً للشارع التعزي الغاضب. إذن لا بد من حاضنةٍ في الدّاخل أولاً.. لا تُغفلوا هذا أيضاً، إب لم تسقُط بعد. إذن الأمر مُعقّد وفكرة الاجتباح همجيّة وغير مُجدية.

الأمر بسيط، إدخال مدنيين بكمياتٍ كبيرة إلى المدينة، تهريب أسلحة، مع وجود شُقق فارغة ومُعدّة سلفاً كمخازن. ثمة خيارات أخرى للتسلّح؛ مخازن ألوية الحرس الجمهوري مثلاً.

بعد ذلك، هناك خياراتٍ عدة ويُمكن اللجوء إلى أكثر من سيناريو. احتجاجاتٍ جماهيرية لُمحاربة الفساد مثلاً، وإسقاط مكاتب ومؤسسات الدّولة تباعاً. طريقة أخرى كارثية، تتمثّل في إيقاض الخلايا النائمة وتسلُّم المعسكرات وحتى المحافظة وفرض الأمر الواقع. ماذا سيفعلُ الّلواء الصُبيحي مثلاً؟ هل سيقرر اجتياح تعز والاشتباك مع المليشيات؟ ستتدمّر المدينة، لا أظن أحداً سيوافقه.. إنه الأمر الواقع!

لستُ مُتشائماً، لكنّه سيناريو مُمكن جداً ويستدعي تيقّض من قبل الأجهزة العسكرية والأمنية، إن كانوا فعلاً جادين في تجنيب تعز مآلات المُدن الأخرى، خصوصاً إذا علمنا أنّ ثمة معلوماتٍ من قبل أهالي بعض الحارات عن وجود تحرّكات ليليّة مُشابهة وتخزين أسلحة في الشّقق.

لا أدري لماذا أبناؤها يتآمرون عليها، هذه تعز المتنوّعة والجميلة لنا جميعاً. ينبغي لكلّ القُوى بمن فيهم (أنصار الله) النأي بتعز عن الانزلاق في تلك البؤرة الُمدمرة. ليس بالقول وليس بالنّزول في المظاهرات ورفع اللافتات أمام العامة، والمرور سرّياً على مرافق الدولة وأقسام الشرطة والمعسكرات والتفاوض معها للتسليم طواعية وبالتالي تكرار ما حدث في مدن أخرى.

علمت من أحد الصحافيين عن إقالة الرئيس لقائد اللواء 35 مدرّع في تعز. للعم هذا القائد الوحيد في ألوية تعز الذي لم يقبل مندوبي الحوثي المفاوضين ورفض مُقابلتهم. سمعنا كذلك مُطالبات من حوثيين يُفاوضون فيها على إقالة هذا القائد مُقابل العدول عن قرارهم في دخول المدينة. بالتأكيد سيُقيلونه وأمثاله الشّرفاء ومن ثم سيدخلون المدينة ” إنهم لا أيْمان لهم”.

“قطعَت جهيزَة قولَ كُلّ خطيب”

16-10-14-675913946

قبلَ يوم واحد من اجتماع اللواء الصبيحي بالسلطة المحلية في تعز، وإبدائه النية في الدفاع عنها ورفض دخول مليشيا الحوثي، قبل ذلك بيوم مرّ مُتحوّثو تعز على أقسام شرطة المدينة وعلى المُعسكرات يحثونهم على التسليم للحوثي من دون مُقاومة، لكنّ الصبيحي قطع ذلك برفضه، كون ذلك غير قابل للنقاش.

رُغم المُرونة التي يبديها مُمثلو أنصار الله في تعز، بل وخروجهم في مُظاهرات ضد تواجد المليشيا  إلا أنهم يعملون ليل نهار على تحييد الجيش والأمن، ويفاوضون ضُباطاً في ألوية تعز لإقناعهم بالتنصّل عن واجباتهم والتزام الحياد.

عندما يتظاهرون ضد تواجد المليشيات,،هم لا يقصدون قطعاً المليشيا القادمة من كهوف مرّان؛ هم يقصدون المليشيا التي بالإمكان أن تتشكّل للدفاع عن تعز في حال قرّر الحوثي اجتياحها.

سأخبركم بسر:
يشتكي مُمثلو الحوثي في تعز من قيادة وضبّاط اللواء 35 مدرع المتواجد في المطار القديم بيرباشا، ببساطة لأنه لا يتجاوب معهم، ولا يقابلهم حتّى. هم يبغضون كذلك مدير التربية والتعليم الأستاذ القدير/ عبد الفتاح جمال للأسباب ذاتها.

فلا غرابة أن يطرح الحوثيون- بعد تمكّنهم من إب- أن يطرحوا شروطاً على تعز بإقالة هاذين الفاسدين ليعدلوا عن قرار اقتحام المدينة، التي سيقتحمونها فيما بعد طبعاً.

مُكافحة الحوثيين لا بُد أن يبدأ من إب، كي لا ينتشر السرطان ليصلَ إلى تعز فيما بعد. ثم إن الالتفاف حول اللواء محمود الصُبيحي كآخر قائد عسكري وطني في اليمن، أمر لا بُدّ منه بصفته الجيش الوطني وبالتالي ضمان عدم انجرار الأهالي للدفاع عن تعز بما يُشبه الحرب الأهلية الطائفيّة.

أين سيذهب الحوثي؟

ميساء شُجاع الدين تكتُب:

أين سيذهبُ الحوثي؟؟

544143562e24e

ينتقل الحوثي من محافظة في اليمن إلى أخرى، وسط غياب سابق من الدولة التي سقطت عاصمتها. وفي كل محافظة، يعلنون عن ظهورهم باستحداث نقاط تفتيش، والسيطرة على المنشآت الحيوية في المحافظة، ولا توجد هناك مقاومة مجتمعية، أيضاً، باستثناء محافظة البيضاء، التي تشهد معارك بين الحوثيين والقبائل المتحالفة مع القاعدة.

يتوسع الحوثي ضمن المساحة الجغرافية لما كان يعرف باليمن الشمالي، متجاوزاً مناطقه الزيدية التقليدية، لكن ردود فعل المجتمعات المحلية للمحافظات اليمنية يتباين بين واحدة وأخرى. ولهذا علاقة بطبيعة هذه المجتمعات، ففي المجتمعات الريفية والمراكز الحضرية، مثل إب والحديدة وغيرهما، لا توجد مقاومة، على الرغم من الكثافة السكانية. ببساطة، لأن طبيعة مجتمعات هذه المدن لا تستطيع مقاومة ميليشيا، فهي ليست مجتمعات قبلية مسلحة، وتخضع لأي قوة مسلحة، حتى تصبح هذه القوة سلطةً، حينها يمكن أن تظهر مقاومة، وحينها يمكن لمجتمعات المراكز الحضرية مقاومة سلطة لها مراكزها ومؤسساتها ورموزها الشخصية، وليس مجرد ميليشيا عارية من كل شيء سوى السلاح؛ هذا تجلى، بوضوح، حين دخل الحوثيون إب، من دون مقاومة تذكر. لكن، في اليوم التالي خرجت مظاهرات واسعة ضدهم.

الوضع يختلف حين يتجه الحوثيون شرقاً نحو الخط القبلي في البيضاء ومأرب والجوف، خصوصاً بعد تحالف القبائل مع القاعدة لمواجهة الحوثي. في تلك المناطق لم تعد القاعدة مجرد مجموعات مطاردة تتنقل بين الجبال، تستضيفها بعض القبائل بعض الوقت، بل صارت تمتلك حاضنة اجتماعية وتحالفات سياسية في مواجهة ميليشيا طائفية، تتطلع إلى التوسع، وتنظر إليها القبائل كمصدر خطر عقائدي.

في الأرجح، قد يجد تنظيم القاعدة مجالاً للظهور في مناطق أخرى، كان منعدماً فيها، أو محدوداً، مثل سيطرتهم على أجزاء من مديرية العدين في محافظة إب، بعد سيطرة الحوثيين، أي أن الطبيعة الطائفية المسلحة للحوثي سوف تفرض نفسها على المجتمع اليمني، وتشكل رد فعل من جنسها المسلح والطائفي، طالما لم يظهر رد فعل وطني ضدها، مما قد يدخل اليمن دوامة عنف الفعل ورد الفعل بين النظراء المسلحين والطائفيين.

الافتراض السائد أن المجتمع اليمني قبلي مسلح، يعمي عن تباينات المجتمع اليمني، بل وتباينات المجتمع القبلي في اليمن، فهناك قبائل حاشد وبكيل في أقصى الشمال، وهما جناحا المذهب الزيدي، وإليها يستند الحوثي. والمعروف أن هاتين القبيلتين تمتلكان تطلعاً وطموحاً سياسيين، تقابلهما بالقوة والطموح السياسي قبائل يافع في الجنوب، ويستند إليها الحراك الجنوبي. وتظل قبائل المحافظات الشرقية وحضرموت الداخل، وهي قبائل عادةً ليست فاعلة سياسية، وطبيعة مناطقها بعيدة عن الدولة المركزية، ومناطقها صحراوية، أو محاذية للصحراء، ليس كقبائل حاشد وبكيل شمالاً، أو يافع جنوباً. في هذه المناطق، ينشط تنظيم القاعدة، الذي صار معقله الأساسي حضرموت، وأسقط أكثر من مرة محافظات شرقية، مثل أبين جنوباً أو البيضاء شمالاً.

لا يطمح الحوثي إلى بسط سيطرته على جميع أنحاء اليمن، فهو يتحرك ضمن حدود مرسومة له دولياً وإقليمياً. لذا، لا يتجاوز توسعه حدود ما كان يعرف باليمن الشمالي، تمهيداً لتقسيم اليمن إلى إقليمين فيدراليين أو كونفيدراليين أو حتى دولتين، لكن توسعه سوف يثير للحوثي مشكلاتٍ عديدة، لا تدركها قوة السلاح الإلهي. فهي في المناطق الشرقية الشمالية سوف تواجه تنظيماً شبحياً يختفي وقت المواجهة، ولا ينهزم، بينما يشتد ساعده بوجود الحوثيين. وفي المراكز الحضرية، سوف يضجر سكانها من هذا الجو الميليشياوي المسلح، وطبيعة رد فعلهم غير المسلح، إلا بشكل محدود، سوف تربك الحوثيين، الذين لا يجيدون عمل شيء، سوى حمل السلاح.

حتى على مستوى المناطق الزيدية تاريخياً، سوف يجد الحوثي صعوبة بعد التوسع الوهابي- السلفي، في تلك المناطق، التي لم تعد زيدية تماماً، بل الأسوأ أنه حتى على المستوى الزيدي، توجد معارضة ضد الحوثيين على مستوى المرجعيات الدينية الزيدية التقليدية.

لا يمتلك الحوثيون أية برامج سياسية، أو اقتصادية، أو خبرة تمكنهم من حكم مجتمعات متنوعة ومفتوحة، كذلك لا يملكون موارد مالية، تمكنهم من شراء الولاءات، وتحقيق بعض الرفاه الاقتصادي، الذي قد يجعل المجتمع يتجاوز الطبيعة الطائفية المسلحة للحوثي. ينجح الحوثيون بالتوسع عسكرياً، فهم القوة العسكرية الأكبر في اليمن، بعد انهيار الجيش، لكن بسط السيطرة عسكرياً لا يعني حكمها، وليس بالضرورة يعني قدرتك الحفاظ على هذه المساحات الممتدة والمجتمعات المختلفة. هذا يتطلب حكماً فيه حد أدنى من المعقولية، ليرضى عنه الناس أو موارد مالية كبيرة، تحتفظ للحوثيين بالسلطة، وكلاهما، حتى الآن، غير موجود، مما سوف يقوض سلطة الحوثيين سريعاً.

لا أحد ينكر أن ما يجري، الآن، هو أقرب إلى غزو من المناطق الفقيرة، المهمشة تنموياً، والنائية، للمدن اليمنية الكبيرة، التي لا تزال مجتمعاتها في حالة صدمة وذهول، وضمن بلبلة كبيرة، فهي لا تستطيع الدفاع عن دولةٍ، تتحكم بها مجموعة فاسدين وفاشلين، ولا تبدو راضية عما يجري، لكنها عاجزة عن الحركة.

يحاول الحوثيون تغطية عجزهم بالحكم، وضعف شرعيتهم باتفاق السلم والشراكة، الذي تم توقيعه بعد سقوط صنعاء، وكأنه شرعنة للوضع الجديد، والأحزاب اليمنية البائسة، وبموجب هذا الاتفاق، ستقوم بدور هزلي، يضفي شرعية على سلطة الأمر الواقع للحوثي، ويعفيها من تحمل مسؤوليات الحكم. يطالب الحوثي ألا يشارك بالحكومة المقبلة، لكي لا يتحمل مسؤوليات سلطةٍ، يعلم يقيناً فشلها، في ظل وضع كهذا. لكنه، بموجب الأمر الواقع، صار هو المتحكم الحقيقي بالبلد، والمتسلط الفعلي، ولو من غير سلطة. هذا الدور لن ينقذ الحوثيين طويلاً؛ دور المتطهر من مطالب سلطة، والبطل الوطني ضد سلطة الفساد، هذا أمر فيه قدر واضح من استغفال المجتمع، وتجاهل للنفور المجتمعي المفهوم ضد جماعة طائفية مسلحة.

*منقول من موقع: العربي الجديد

رابط المقال:

http://www.alaraby.co.uk/opinion/8aedfb75-9ba1-4623-a32c-9ecac8d2d06c

من وحي أكتوبر العظيم!!

بداية الاحتلال

الملكة إليزابيث في عدن عام 1954، تحمل بيدها سيفا لتكريم الفرسان على الطريقة الإنجليزية712

*الصورللملكة إليزابيث في عدن عام 1954، تحمل بيدها سيفا لتكريم الفرسان على الطريقة الإنجليزية(ويكيبيديا)

 

بعد ﺯﻳﺎﺭﺓ ﺍﻟﻜﺎﺑﺘﻴﻦ ﻫﻴﻨﺰ – ﺿﺎﺑﻂ ﺍﻟﺒﺤﺮﻳﺔ ﺍﻻﻧﻜﻠﻴﺰﻱ – ﻟﻌﺪﻥ ﻣﻄﻠﻊ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ ﻓﻲ ﺭﺣﻠﺘﻪ ﺍﻻﺳﺘﻜﺸﺎﻓﻴﺔ، ﻛﺎﻥ ﻻ ﺑﺪ ﻟﻼﻧﻜﻠﻴﺰ ﻣﻦ ﺇﻳﺠﺎﺩ ﻣﺒﺮﺭ ﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻷﻫﻤﻴﺘﻬﺎ ﺍﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ ﺣﺴﺐ ﻫﻴﻨﺰ . ﺍﻟﺬﺭﻳﻌﺔ ﺟﺎﻫﺰﺓ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺪﻭﻟﺔ ﻻ ﺗﻐﻴﺐ ﻋﻨﻬﺎ ﺍﻟﺸﻤﺲ .

ﺑﻌﺪ ﻋﺎﻣﻴﻦ ﻓﻘﻂ ﺟﻨﺤﺖ ﺳﻔﻴﻨﺔ ﻫﻨﺪﻳﺔ ﺗﺤﻤﻞ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻲ ﺑﺎﻟﻘﺮﺏ ﻣﻦ ﺳﺎﺣﻞ ﻋﺪﻥ، ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﺟﻌﻠﻬﻢ ﻳﺘﻬﻤﻮﻥ ﺃﺑﻨﺎﺀ ﻋﺪﻥ ﺑﻤﻬﺎﺟﻤﺔ ﺍﻟﺴﻔﻴﻨﺔ ﻭﻧﻬﺒﻬﺎ.

فشلت كل ﺍﻟﺤﻠﻮﻝ ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎﺀ خيار ﺍﻟﺤﺮﺏ، ﻷﻥ ﺍﻹﻧﻜﻠﻴﺰ ﻻ ﻳﻜﺘﺮﺛﻮﻥ ﻟﻠﺴﻔﻴﻨﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﻤﻞ ﻋﻠﻤﻬﻢ، ﻫﻢ ﻳﺮﻳﺪﻭﻥ ﻋﺪﻥ ﺫﺍﺗﻬﺎ ﻭﺑﺄﻱ ﺛﻤﻦ .

ﻣﻜﺚ ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻴﻮﻥ ﺯﻫﺎﺀ 128 ﻋﺎﻣﺎ، ﺳﺎﻋﺪﻫﻢ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﻤﺰﻕ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺻﺎﺏ ﺳﻠﻄﻨﺎﺕ ﺍﻟﺠﻨﻮﺏ ﺍﻟﻤﺘﻨﺎﺣﺮﺓ . ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺤﺎﻭﻻﺕ ﺳﻠﻄﺎﻥ ﻟﺤﺞ ﻓﻲ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﻋﺪﻥ ﻟﻠﺤﺎﺿﻨﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻤُﻘﺎﻭﻣﺔ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪﺓ ﻓﻲ ﺑﺎﺩﺉ ﺍﻷﻣﺮ , ﻏﻴﺮ ﺃﻧﻬﺎ ﻟﻢ ﺗﻨﺠﺢ ﻟﻠﻔﺎﺭﻕ ﺍﻟﻬﺎﺋﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﺢ.

الوضع في شمال اليمن

الإمام أحمد بن يحيى آخر أئمة اليمن

*الإمام أحمد بن يحيى آخر أئمة اليمن(ويكيبيديا)

في الشمال الأمر لم يختلف؛ استبداد ملكي وتجهيل ممنهج للشعب، فكيف تقوم له قائمة. لم تسجل لإمام الشمال أية محاولة لدعم أحرار الجنوب في التخلص من الاستعمار. على العكس تماما، فقد أرضى الإمام في الشمال, أرضى البريطانيين بتنازله عن الضالع وبيحان لصالحهم مقابل أن يدعوه وشأنه.

الاستماتة على السلطة والتشبث بالرئاسة تجعلك تدفع الكثير، وتقدم الكثير من التنازلات بما في ذلك الثوابت الوطنية.

النضال المُشترك

msalahynثورة 14 من اكتوبر

 

ليلة تفجير الثورة 14 من اكتوبر في الجنوب (south-file)

الرابع عشر من اكتوبر جسدت وحدة القلوب!!
منذ الأزل، عرف الشعب اليمني بتماسكه والحفاظ على هويته الوطنية، سواء في الشمال أو في الجنوب. وحدة القلوب تفوق مئات المرات وحدة الجغرافيا. جسد اليمنيون التلاحم والترابط الوطني مرات عدة بما لا يدع مجالا للشك عن الوحدة القسرية لقلوبهم العامرة بالإخاء.

بعد عودة ثوار الجنوب في ردفان والقادمين من شمال الوطن بعد مشاركتهم في الدفاع عن 26 سبتمبر الوليدة بقيادة راجح بن لبوزة، انطلقت ثورة أكتوبر المجيدة من جبال ردفان ضد الاحتلال البريطاني.
هب ثوار الشمال بدافع الفطرة الوطنية يدا بيد مع إخوانهم في الجنوب ليشكلوا رقما صعبا على قوات الاحتلال الغاشمة. اختلطت الدماء الزكية فروت تربة الوطن؛ هذه الأرض تستحق التضحية.

بطلٌ من الشّمال

لا تُذكر ثورة أكتوبر إلا وكان في المُقدمة..
“إنه الشهيد عبود!!”

الشهيد عبود الشرعبي

 

*صورة للشهيد عبود (المنتدى اليمني)

قائد حرب العصابات ضد الانجليز، قام بعمليات نوعية كبّدت العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، مما أدّى إلى تعجيل رحيل الإنجليز وإعلان الإستقلال!
ولد مهيوب علي غالب (عبود) في قرية الجبّانة عزلة الدعيسة، مديرية (التعزية) رغم اشتهاره باسم (عبود الشرعبي). تربى يتيم الأب منذ صغره. ذهب إلى عدن والتحق مبكرا بالجبهة القومية جنبا إلى جنب مع إخوانه في الجنوب. سجن قبل ثورة أكتوبر في سجون الاحتلال ٦ أشهر لينفى بعد ذلك إلى مدينته تعز. غير أن ذلك لم يثنيه، فقد التحق بفرق تدريب الكتائب المُعدة لتحرير عدن، ليعود بعدها كقائد عسكري ميداني كبير.

من أهم عملياته ضد الانجليز:

-عندما كان في تعز، أحبط عملية تفجير مقر القوات المصرية في تعز بسيارة مفخخة خطط لها الإماميون بدعم انجليزي، بسبب دعمها لثورتي الشمال والجنوب. اكتشف عبود المؤامرة قبل وقوعها وقاموا بتفكيك المتفجرات.

-في ١١ فبراير من ١٩٦٧ ملأ عبود سيارته بالألغام وذهب برفقة زملائه لتفخيخ ميدان الإتحاد الذي كان يجري الإعداد للاحتفال فيه من قبل شخصيات كبيرة من الإنجليز مع بعض السلاطين الموالين. إلا أن السلطات المستعمرة اكتشفت الأمر مؤخرا وقبيل الاحتفال، الأمر الذي جعل عبود ورفاقه يفتحون النار على الضباط الإنجليز الحاضرين وتكبيدهم خسائر طائلة.

-في اليوم الذي استشهد فيه عبود، قام بعملية نوعية، ﺣﻴﺚ ﻗﻔﺰ ﻋﻠﻰ ﺳﻄﺢ ﻧﺎﻗﻠﺔ ﺟﻨﻮﺩ ﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺔ، ﻭﺃﻟﻘﻰ ﺑﻘﻨﺒﻠﺔ ﻳﺪﻭﻳﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﻔﺘﺤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻮﻳﺔ ﻟﻠﻨﺎﻗﻠﺔ، ﻟﺘﻨﻔﺠﺮ ﻣﺤﺪﺛﺔ ﺇﺻﺎﺑﺎﺕ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺑﻴﻦ ﻗﺘﻠﻰ ﻭﺟﺮﺣﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻨﻮﺩ ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻴﻴﻦ. ﻭﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﻧﺴﺤﺎﺑﻪ ﺟﺮﻳﺎً ﻓﻲ ﺳﻮﻕ ﺍﻟﺒﻠﺪﻳﺔ ﺑﺎﻟﺸﻴﺦ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺭﺻﺪﻩ ﺟﻨﺪﻱ ﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻲ ﻛﺎﻥ ﻣﺘﻤﺮﻛﺰﺍً ﻣﻊ ﺛﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻨﻮﺩ ﻓﻮﻕ ﺳﻄﺢ ﻋﻤﺎﺭﺓ ﺍﻟﺒﻨﻚ ﺍﻟﻘﺮﻳﺐ ﻣﻦ ﻣﺴﺠﺪ ﺍﻟﻨﻮﺭ، ﻭﺃﻃﻠﻖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻟﻴﺴﻘﻂ ﺷﻬﻴﺪاً رحمه الله، ليكون رمزاً من رموز أكتوبر والتي توّجت بالنصر ونيل الإستقلال للجنوب.

أحد أعلام أكتوبر

قحطان الشعبي عائداً من جنيف- ويكيبيديا

*قحطان الشعبي عند عودنه من جنيف باستقلال كامل لليمن الجنوبي(ويكيبيديا)

أول رئيس بعد الاستقلال (قحطان الشعبي*)
المفاوض الجنوبي الشاب، الذي دوخ الإنجليز ولم يعد للشعب إلا باستقلال كامل للبلاد..

-أول خريج زراعة في الجزيرة العربية..

-الرئيس العربي الوحيد الذي يحكم لعامين ويستقيل طواعية نظرا للتآمر الداخلي على البلاد. استقال لتحل بدلا من الدولة المعتدلة نظام حكم ماركسي تخلى عن قيم العروبة.

-هو الرئيس العربي الوحيد الذي مات وهو محتجز من قبل سلطات بلد كان رئيسها، وفي معتقل انفرادي من دون تهمة أو حتى محاكمة شكلية.

-كان اشتراكيا معتدلا، لم ترق في عهده قطرة دم من قبل السلطة. رفض تنفيذ حكم الإعدام لعدد من السلاطين إبان الاستعمار، وتدخل كرئيس جمهورية لتخفيف الحكم إلى 10 سنوات سجن فقط.

*ويكيبيديا

برّع ياستعمار

في صبيحة إعلان الاستقلال, هتف اليمانيون جميعاً بصوت واحد ضدّ المُستعمر:
بصوت صداح لفنان الثورة/ محمد محسن عطروش

263652_389455614467882_1896213948_n

*محمد محسن عطروش (منتدى العوالق)

برع ﻳﺎ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﻣﻦ ﺃﺭﺽ ﺍﻷﺣﺮﺍﺭ
ﺗﻴﺎﺭﻱ ﺍﻟﺠﺒﺎﺭ ﺧﻠﻰ ﺷﻌﺒﻲ ﺛﺎﺭ
ﻃﻴﺎﺭﺗﻚ ﻳﺎ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﻣﺎ ﺗﻔﺰﻋﻨﻲ
ﻭﺃﻧﺎ ﺛﺎﺑﺖ ﻭﺍﻷﻧﻮﺍﺭ ﺗﻀﻮﻳﻨﻲ
ﻣﺎ ﻇﻠﻤﻚ ﻳﺎ ﻗﺮﺻﺎﻥ ﺃﻳﻘﻈﻨﻲ
ﻭﻻ ﺳﺤﺮﻙ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻳﻌﻨﻴﻨﻲ
ﺑﺮﻉ ﺃﻗﻮﻟﻚ ﺑﺮﻉ ﺷﻌﺒﻲ ﻣﺎ ﺑﻴﺬﻋﻦ
ﺑﺮﻉ ﻭﺍﺭﺟﻊ ﺑﻠﺪﻙ ﻟﻨﺪﻥ

 

الحوثيون وصناعة العدو الافتراضي!

28-09-14-647999486

 

في الوقت الذي تشهدُ فيه العاصمة حِراكاً شعبياً مدنياً يُطالب بسحب المليشيا المُسلحة من الشوارع وإحلال مؤسساتِ الدّولة الأمنية، ينبري تنظيمُ القاعدة في هذا التوقيت تحديداً للعب دورٍ مشبوه أُريد له ذلك. يأتي هذا العبث للفت الأنظار – في المقام الأول- عن المُظاهرات المُطالبة بإخلاء العاصمة من المُسلحين، ولتشكيل قوة مُضادّة يبحثُ عنها الحوثيون -في المقام الثاني- لبدء مُسلسل جديد من تبادل الأدوار.

مُنذ تطويقه للعاصمة، عمَدَ الحوثي لإيجاد قوة تتصدّى له لإيجاد مُبررات لخوض جولاتٍ من الصّراع داخل العاصمة؛ لكنّ ذلك لم يحدث. لطالما راهن على الإصلاح للقيام بهذه المُهمة، لكنّهم تنبهوا للأمر مبكراً ليَدَعوا مليشيا الحوثي في مواجهة الدولة وجهاً لوجه.

إيجاد خصم نِد للحوثي أمر مُهم بالنسبة له، لذلك سيكونُ تنظيم القاعدة جزء من الخُطة البديلة. القاعدة في اليمن مُسيّرة ومُخترقة، ودائماً ما تُؤدي مهاماً تخدُم جهاتٍ داخليّة وخارجيّة في كل عملياتِها.

يُصرّح أعضاء تنظيم القاعدة بالثأر من الحوثيين وتبنّي خطاب يستدعي الطائفية. لا أدري لمن يثأرون! إن كانوا للجُنود، فهم يذبحونهم كذلك وعلى الطريقة الإسلامية. أما إن كانوا سيثأرون للمدنيين، فمن قتلهم التنظيم وشردهم كُثُر ولا مجال لإحصائهم. إذن فالأمر لا علاقة له بالثأر؛ إنه استدعاء حسب الطلب.

مالذي سيجنيه الحوثي من استدعاء القاعدة، وكيف تم ذلك؟

لنستعرض الأحداث معاً. لا يخفى على أحد دورَ الرئيس السابق الانتقامي في وصول الحوثي إلى العاصمة. سُقوط السلطة الحالية، بغض النظر عن البديل، يُمثلُ هدفاً طريّاً سعى له صالح مُنذ إسقاطه كنوع من الانتقام. لا أحد يمتلكُ السيطرة على تنظيم القاعدة بقدر الرّئيس السّابق؛ لطالما استخدمها لسنواتٍ لابتزاز الغرب.

إذن الحُوثي يبحثُ عن خصم، الإصلاح لم يعُد نافعاً لهذه المُهمة؛ القاعدة ربما تكون خصماً أكثر قبولاً لدى المجتمع الدولي. ستبدأ المُناوشات داخل العاصمة للفت الأنظار عن مطالب إخراج المسلحين من العاصمة. فيما بعد ستبدأ جولاتٍ من الصّراع خارج العاصمة هذه المرة. عينُ الحوثي على مأرب والجوف- النّفطيتين- هذه المُهمة الجديدة له والتي لم يستطع حسمها قبل سقوط العاصمة.

القاعدة المُزدهرة في مأرب والبيضاء ستجعلُ منهما ساحةً لحربٍ واسعة مع الحوثيين. الحوثي يُحارب القاعدة، العدو الّلدود للغرب والشّماعة التي استباحوا بسببها الوطن العربي، إذن فهو يُكافح الإرهاب. ومالذي قامَ به في العاصمة ومليشياتُه؟؟ ذلك ليس إرهاباً إطلاقاً؛ الإرهاب يتعلّقُ بالفصيل السّني تحديداً.

من هذا المُنطلق سيُروّجُ الحوثي لنفسه كبديلٍ مُفترض للنّظام المُتهاوي. حوثيو صالح وقاعدتُه سيخوضانِ حُروباً عبثيّة ليكتفي الشعب المنكوب بالفُرجة مجاناً.. إنّهم أعداء الوطن جميعاً وأعداء الدّين والبشريّة جمعاء.

“خفافيشُ الظّلام!”

سنحتفل بأيلولنا العظيم “مرحا سبتمبر”

10670209_287772788096379_1614722514051519187_n

اثنان وخمسون عاماً مُذ عانقَت أرواحُ اليمنيين فضاءاتِ الحريّة، طاوين حقبة الإمامة والكهنوت، حقبةٌ جثَمت على صدورهم رَدحاً من الزمن. في

لحظةٍ فارقة من سبتمبر الخالد غيّرت مجرى التاريخ، وأحالَت الظلماتِ نوراً، والجهلَ معرفة، والتخلّفَ نماءً وازدهار. كانَ التعليم والصحة والرّفاه حِكراً على فئة من الشعب، بينما يسودُ الجهل والتخلف والمرضُ عامّته؛ فصار العدلُ والمساواة والمواطنة شعاراً لكل يمني وحقاً لكل من يحملُ اسم الوطن.

اليوم ونحنُ نحتفل بالعيد الثاني والخمسين لثورة سبتمبر المجيدة، ثمّة من يستميتُ لإجهاض الدّولة وتقويض الجمهورية والعودة باليمنيين إلى سنواتِ الحرمان والتخلّف. مَن يُسوّقون أنفسهم كمخلّصين للبشرية هم ذاتُهم من يعبثون بأمنِنا واستقرارنا، ويتلذّذون في إذاقة الشعب صُنوف الويلات ويُمارسون التخريب المُمنهج لمقدّرات الدولة. رضَعوا من ثدي الجُمهورية وترعرَعوا في أحضانها، واليوم يتنكّرون لها ويطعنونَها في ظهرها على حينِ غفْلة. يتدثّرون بثياب المدنيّة والتحضّر، بينما يحملونَ في صُدورهم مشاريع الإمامة الظّلامية ليعودوا بالوطن إلى ما قبلَ التاريخ.

منذُ أكثر من خمسةِ عقود على قيام الجمهورية وخفافيشُ الظّلام يتربصون بها الدّوائر؛ ينتظرونَ الفرصة المناسبة للانقضاض عليها وتكبيلها. منذُ رأت النور، وهذا السرطانُ الخبيث يتمدّد ببُطئ وبتروٍ لاقتناص اللّحظة وقلب عجلة التاريخ، متناسينَ أنّ عجلةَ التاريخ لا تعود أبداً إلى الوراء.

سنواتٌ كثيرة مضَت، ولم تقُم للجمهورية قائمة؛ ظلّت تُراوح مكانها بسبب هذا السرطان الإمامي المُسلسَل. وطّد أركان الجمهورية الشُرفاء، وظفِر بها الأوغاد. فبدلاً من تثبيتِ أركانٍ متينة لها وغرسِ جذورٍ ضاربةٍ في الأرض، عمَدوا على غرس الطائفية والفئوية والجهوية لزعزعة أركانها تمهيداً لاجتثاثها. سخّروا خيراتِها للفئة والطائفة والحاشية لإعادة الإمامة والتأبيد والتوريث؛ وعندما عجزوا، سلموا أمرَها للخلايا الإمامية النائمة المُدججة بالحقد والشرور!

عندما أدرَك الشعب هذا العبث بجمهوريّتهم، وانحدارها تدريجيا صوب الحقبة الرّجعية، خرجوا إلى الميادين مُدجّجين بالسلام، مُتسلحين بالورود والصّدور العارية لتجديد ثورة آبائهم المغدورة بثورةٍ جديدة (11 فبراير) المُكمّلة للسادس والعشرين من سبتمبر. خرجوا لإزالة الغُبار العالق على الثورة الأم واستعادة بريقِها الوضّاء الذي كادَ أن ينحسِر على يد فئةٍ من الانتهازيين المُتنكرين.

خرج الإماميون الجُدد وخلاياهُم النائمة من كلّ حدبٍ وصوب لتدنيسها والولوغِ في نقائها بحقدهم الدفين على الجمهورية والذي لم يخفُت للحظة. خرَجَت جاحفلُ الظلام وكشّرت عن أنيابها، بعد أن كانَت حرّكت أذيالَها تربّصاً وترقباً لساعة الصّفر؛ وأظنها قد حانَت.

إنّ الشعب اليمني اليوم أمامَ مُفترق طرقٍ خطير، فأعداء الجمهورية يتكالبون عليها، الأمر الذي يستدعي الوقوف بحزم أمام هذا التصعيد الخطير. إن اليمنيين اليوم أمام استحقاقٍ عظيم يتمثّلُ في تنفيذ مُخرجات الحوار الوطني التي أفرزتها ثورة فبراير المُكمّلة, وهذا ما يستدعي اصطفافاً وطنيّاً وتآزُراً من كل القوى الوطنيّة لتثبيت دعائم الجمهوريّة وإخراج البلاد من أتونِ الصراعات على الأسس المذهبيّة والطائفيّة التي لن يجنيَ الشعبُ منها سوى الدمار, وليسَ غيره!